قصة قصيرة
الرسالة
علي باراهيم
لم اتوقّع ان يترك - باولو كويليو - رسالة في الطريق الجنوبيّة وكثيراً ما تساءلت عن الطريقةالتي وضع بها الرسالة، لماذا لم يتركها في الطريق الشمالية؟ ما دار بخلدي تجاه هذا الكاتب من افكار جعلني أتهامس معه من خلال القصة التي زينّت صفحات المجلة ودخلت الترجمة بعبارات مرصوصة متناسقةالافكار ولربّما قررت ان اتواصل معه شفقة على الطريقين وقد ذكّرته بأنّ الوفاق بين أجناس هذين الطريقين يضرب في الجذور زمن جلجامش زمن الجاهليّة ويستمر مثل الشجرة المثمرة التي ما أن تصفّر منها ورقة حتى يسري ذلك اللون الذي يرمز إلى الغيرة على بقيّة الألوان وما ان تتعافى الورقة الخضراء حتى تنتعش بقيّة الأوراق يصيبها النماء والفخر وتلطّف الجو لكل المارّين تبعث برائحة خاصة. لقد دخلت بالحبّ الذي لا تنفصم سلسلة ذكرياته.،حبّ ابن أبي ربيعة، وحبّ ابن حزم في طوق الحمامة ولدينا حبّ الوالدين الذي يؤدي إلى العنوسة من قبل البنت، أو التعّسف من قبل الابن بعد وفاة أحدهما او كلاهما إلأّ إنني رغم تلك المداخلة لم افضّل الرسالةبعد لأنّ السلطة تقف حائلاَ دون تحقيق السلم بين الطريقين الجنوبي والشمالي من ذلك إنّ الفاو قد شعرت أرضها بالبرودة التي اثلجت النفوس وكست الطرقات بالثلج الجنوبيّةفكانت تكثر التصفيق من أجل أن تدفي اليدين حتى أصبحت عادة مستمّرة لعقود. وفي زاخو وصلت درجة الحرارة إلى (٤٨)درجة وتحّملت جو الشرگي وما يسببه من الإرهاق والتعب، واصبحت عادة مستّمرة لعقود مضت. بقى الموت يا سيّد باولو كويليوفقد إستفتحنا به من جلوس الخنساء في رثاء أخيها صخر والذي يذكرّنا من طلوع الشمس حتى المساء ولكلّ الايام من عمرها. وإستفتحنا به من قول الفارعة في أخيها الوليد بن طريف الشاري يوم صرخت بالشجر وقد إنتعشت سيقانه بالماء واورقت الأشجار يومها وجهّت خطاباً لكل ّ الاشجار في الجنوب والشمال بالبكاء على الوليد بن طريف الشاريّ
واستمّر البكاء يكتسح الأفراح حتى إختلف الرواة في بداية البكاء أمن الطريق الجنوبي ام الشمالي وظهرت الدراسات والأبحاث إنّ القرية التي وصلنا إليها او اظنّها وصلت إلينا.. تجدد البكاء في الفضائيات الصراخ... البكاء أصابت عدوى الطريقين من طرق بيت لحم فلماذا لم تصل إلى ذلك الطريق في بيت لحم يوم تناسينا القدس والناصرة.. لأنّ الحبّ والموت والزمن كلّها قد دفنت عام ١٩٤٨وانت لم تتفوه بتلك الطرق بل عرجت على الطريق الجنوبيّ والشماليّ فكان راس البصل سبباً في البكاء الزائد عن حدّه ولم يكن بكاء الأرض من طفل يبحث عن أمّه ولا عن شيخ دفن احفاده بعد نكسات الزمن والموت على أرضه..
الآن عرفت يا سيّد باولو إنّ الموت قد يمحو الأرض.. الأطفال.. النساء وأنّ الموت حين هبط على طريقنا الجنوبيّ قبل عقدين وبضعة سنين قد اسأء إلى حياتنا فلم تنشر الصحف رغم إنتشارها ذلك الموت الجماعيّ بل دخلت الطريق الشماليّ بمواد سهلة الإستعمال قوّية المفعول ويا للمأساة قد تمّ تجريبها على النساء والأطفال والحيوان فكان مفعوله جيّداً في الصور والمناظر البشعة.
هل ثمّة تفكير آخر او تفسير لما حلّ بهذين الطريقين ليحصل ما كان افضع وحتى الألغام من الحروب السابقة لم تخرج من حفرها ترى ماذا تنتظر غير طريق البكاء يتوزّع عليها.
لم اصل بعد إلى قناعة في فتح الرسالة إلأّ وسيطر الخبر على الصحف صباحاً يُغري بالقراءة مرّة او مرتين او ثلاث أنّ بابا الفاتيكان قد شهرَ السيف ورغب في إبكاء الآخرين. هل تصدّق يا سيد باولو إنّ الحروب تتوالد فبين قصّتك عن الوفاق والشقاق لم تنكأ الجرح بل صورّت قذاه وتقيّحاته رسومات وتوضيحات عن الطريق الجنوبي والشمال، وماذا ستصف يا سيد باولو كلمة البابا رغم الإختلاف في بثّ حروفها لقد أصبحت كافية لتجديد الطريق الشمالي والجنوبيّ في خريطتكم بل ستقضي على تآلف طريقينا بعد مخاض من الزمن والموت والحبّ والسلطة... لا.. لا لم تعد الاخبار مفرحة ومُسرّة بعد إفتضاح الشقاق من طريقكم في زيادة البكاء وعدم الإشفاق على الخبب والرغبة في إنز لاق السلطة حتى تدخل الموت لا شيء غير الموت.
ويوم إقتنعت ان افتح الظروف لاقرأ رسالة السيّد باولو كانت عبارات الإعتذار قد تكررت مرّات مثل مَنْ يكتب الخطأ في مراحل الدراسة الإبتدائية هكذا كانت الرسالة. حسناً فعلت سيد باولو ساعة تفهمّت الدوافع وفهمت أنّ عجلة الحياة لن ترجع إلى الخلف بعد إن توثقّت مِن الماشين على هذه الارض وأنّ الرغيف الحار وصداقة الجار يجلب الدفاع للكلمات. لاشيء بين المسافات غير الطريق البّريّ.
صحيح إنّها صحراء قاحلة لكن رائحة البشر أطيب انتشاراً بين الطريقين بعد سنوات مِن الجفاف.
وصلت رسالتك عبر المجلة(١) ودفق القلم يجدد ملامح الطريقين على ارضي واعِدُكَ إنّ عجلة الدراجة الهوائية لن يصيبها أيّ عطب او تلف ستمضي في طريق أيّ لون منه سيبُهج الآخرينَ.
... البصرة /
(١)عن قصة طريقين للكاتب البرازيلي باولو كويليو مجلة العربي شباط ٢٠٠٦/٥٦٧