الناس فوق الأرض عائلة
ثامر مراد
ليست الأرضُ مجردَ ترابٍ نمشي عليه، ولا حدودٍ نرسمها على الخرائط، بل هي مائدةٌ واسعةٌ التفَّ حولها البشر منذ فجر الخليقة. كلُّ واحدٍ منّا يحمل اسماً مختلفاً، ولساناً مختلفاً، وملامحَ تروي حكايةَ مكانه، لكننا – في عمق السرّ الإنساني – أبناءُ بيتٍ واحد، سقفُه السماء، وأرضُه صدرُ الحياة.
حين نقول إن الناس فوق الأرض عائلة، فنحن لا نُلغي اختلافهم، بل نُجمِّله. كما تختلف ألوان الزهور في الحديقة الواحدة، فتزداد جمالاً بتنوّعها، كذلك تتكامل الأرواح بتعدّدها. هذا أبيضُ القلب، ذاك أسمرُ الحكاية، هنا ضحكةٌ شرقية، وهناك حكمةٌ غربية؛ لكن الجوع واحد، والدمعة واحدة، والفرح حين يشرق لا يسأل عن جواز سفر.. العائلة ليست خاليةً من الخلاف، لكنها لا تُقيم جدراناً بين القلوب. قد نختلف كما يختلف الإخوة، وقد تتباعد خطواتنا، غير أن خيطاً خفياً يشدّنا إلى بعضنا: خيط الرحمة. هو ذلك النبض الذي يجعل غريباً يمدّ يده لغريب، كأن بينهما ذكرياتٍ لم تُروَ بعد. الأرض أمٌّ صابرة، ترى أبناءها يتخاصمون فوق صدرها، لكنها لا تكفّ عن إنبات القمح لهم جميعاً. والشمس لا تُفرّق بين بيتٍ وآخر حين تُرسل نورها، والمطر لا يسأل عن لغة الأرض التي يسقيها. الطبيعة نفسها تعلّمنا درس العائلة الكبرى: العطاء بلا تمييز، والاحتضان بلا شرط. في هذا العالم المتسارع، قد ننسى أننا ننتمي إلى أصلٍ واحد، فنستبدل لغة القلب بلغة الصراع. غير أن الحقيقة تبقى كالجذر في عمق الشجرة؛ قد لا نراه، لكنه هو الذي يمنح الأغصان قدرتها على الحياة. نحن أغصانُ شجرةٍ واحدة، إن انكسر غصنٌ تألّم الجذر، وإن أثمر غصنٌ عمَّ الخير ظلَّ الشجرة كلها. وإنما الناس فوق الأرض عائلة؛ فليكن كلُّ واحدٍ منّا أخاً حين تُشتدُّ العاصفة، وأختاً حين يطول الانتظار، وقلباً مفتوحاً حين تضيق الدروب. فربما لا نستطيع أن نغيّر العالم دفعةً واحدة، لكننا نستطيع أن نختار أن نكون فيه أقرب إلى معنى العائلة… وأصدق في إنسانيتنا.