الأمل الصامت في قلوب البسطاء
نوري جاسم
ليس كل من يصمت ضعيفًا، وليس كل من يعلو صوته صادقًا. في هذا الوطن الممتد بين الألم والأمل، هناك أغلبية لا تظهر على الشاشات، لا تكتب البيانات، لا تدخل في سجالات ليلية عقيمة، لكنها موجودة… حيّة… تنبض بحب العراق. أغلبية تعمل، تنتظر، تصبر، وتؤمن أن هذا البلد يستحق فرصة حقيقية للحياة.
هؤلاء هم البسطاء الذين يحملون الوطن في قلوبهم دون أن يرفعوا شعارات، والذين يصنعون الاستقرار بصبرهم أكثر مما يصنعه السياسيون بخطبهم. ان الأمل الصامت في قلوب البسطاء ليس وهماً، بل موقف.
هو إيمان عميق بأن الخراب ليس قدراً، وأن الإصلاح ليس مستحيلاً، وأن العراق أكبر من أزماته. هؤلاء الناس لا يريدون معجزات، ولا ينتظرون بطلاً أسطورياً، بل يريدون دولة عادلة، قانونًا يُطبَّق، فرصة عمل كريمة، ومدرسة تليق بأبنائهم، ومستشفى يحفظ إنسانيتهم. يريدون حياة طبيعية…
وهذا أبسط الحقوق. وبكل جرأة نقول: إن تجاهل هذه الأغلبية خطأ استراتيجي. فهي ليست كتلة صامتة بلا تأثير، بل هي الميزان الحقيقي للاستقرار. وحين يطول الصمت، لا يعني الرضا، بل قد يكون صبرًا أخيرًا قبل أن يتحول إلى موقف واضح. الحكمة السياسية ليست في كسب الضجيج، بل في كسب ثقة هؤلاء الذين لا يتكلمون كثيرًا، لكنهم حين يقررون، يغيرون المعادلة. وبكل سلام نقول:
إن الإصلاح لا يبدأ بالصراع، بل بالإنصاف. لا يبدأ بالإقصاء، بل بالاعتراف المتبادل. لا يبدأ بالتخوين، بل ببناء الثقة.
العراق لا يحتاج إلى معركة جديدة، بل إلى هدنة مع الذات، ومصالحة مع العقل، وإدارة رشيدة تُغلّب المصلحة العامة على المصالح الضيقة. الأغلبية الصامتة لا تريد إسقاط أحد، بل تريد إنقاذ الجميع من دوامة الفشل المتكرر.
وإن البساطة ليست سذاجة، والعفوية ليست ضعفًا. في وجوه العمال، في عيون الأمهات، في تعب الموظف الشريف، في طموح الطالب، يكمن المعنى الحقيقي للوطن.
هؤلاء لا يطلبون امتيازات، بل عدالة. لا يطلبون صراعات، بل استقرارًا. لا يطلبون خطابات ملتهبة، بل أفعالًا ملموسة. ومن يفهم هذه المعادلة، يفهم سر بقاء العراق رغم كل العواصف.
أن الأمل الصامت ليس انكسارًا، بل قوة مؤجلة. هو طاقة روحية وأخلاقية تحفظ التوازن حين يختل، وتمنح المجتمع فرصة جديدة كلما ضاقت الدروب. وما دام في هذا البلد أناس يؤمنون بالخير، ويعملون بضمير، وينتظرون الفرج دون أن يفقدوا إنسانيتهم، فإن العراق بخير، مهما اشتدت الأزمات.
هذه ليست كلمات عاطفية، بل قراءة واقعية. فالدول لا تقوم بالضجيج، بل بالعمل الصامت. ولا تبنى بالشعارات، بل بالثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم. والأغلبية الصامتة في العراق ليست عبئًا على الدولة، بل هي رصيدها الحقيقي.
فليسمع من يعنيهم الأمر: الأمل ما زال حيًا في قلوب البسطاء، لكنه يحتاج إلى صدق يُغذيه، وعدالة تحميه، وإرادة سياسية تحترمه. وإذا أُحسن الإصغاء إلى هذا الأمل، سنكتشف أن طريق الإصلاح ليس بعيدًا…
بل يبدأ من هنا، من الناس، من صبرهم، ومن إيمانهم الهادئ بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم ...