الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الرسالة التي لم يجب عنها.. نداء الأمل في زمن القنوط

بواسطة azzaman

الرسالة التي لم يجب عنها.. نداء الأمل في زمن القنوط

امل الجبوري

 

وأنا أقترب من المراحل الأخيرة لكتاب الأملية (Amalism)، وجدتُ نفسي أستعيد لحظة مصادفةٍ تكاد تكون قدريّة. فبينما كنت أُنهي القسم الخاص برسالة رشاد أبو شوار، حيث عبّر بمرارةٍ بالغة عن وطأة الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق عقب غزو الكويت—حصارٌ لم يمسّ سوى الدائرة الضيّقة للنظام، بينما صبّ أثقل كلفته على الأطفال—عَثَرتُ، في صناديق أرشيفي الشخصي، على رسالةٍ حملتُها معي عبر مدنٍ لا تُحصى من منافيّ، منذ غادرتُ العراق. رسالةٌ ظلّت بلا جواب، ولم يمسّها قلمي. ولمّا وقعتُ على السطر المدفون في صفحاتها: (اكتبي بقلمك عن الأمل)، توقّفتُ مذعورة، وصرختُ: «يا إلهي، أمل، كيف تركتِ هذه الرسالة بلا رد؟».

تعود الرسالة إلى السادس من شباط/فبراير 1993، كما يظهر في الصورة المرفقة، وقد كتبها شخصٌ لم أكن أعرفه، وإن كان—على نحوٍ ما—يعرفني. كنتُ يومها معروفةً في العراق شاعرةً، وكنتُ قد بدأتُ بنشر عمودٍ نصف أسبوعي في القسم الثقافي من صحيفة الجمهورية اليومية، التي توقّف صدورها بعد سقوط النظام عام 2003. حمل عمودي عنوان «المسلّة»، إحالةً إلى مسلّة حمورابي، أول مدوّنة قانونية في تاريخ الإنسانية، كُتبت على أرض وطني، بلاد الرافدين. وكان القرّاء يبعثون رسائلهم عبر بريد الصحيفة لتصلني تباعًا.

في عام 1993، وفي خضمّ كتابة مقالاتٍ غالبًا ما كانت استفزازيةً ومشبعةً بالألم، وصلتني هذه الرسالة تحديدًا. كان مُرسِلُها الدكتور حسين محبس حسن، وقد وقّعها بصفته طبيبًا—غريبًا سالت معاناته على الصفحة الأولى من رسالته كسائلٍ من رصاصٍ مصهور. كتب عن عبثية الحرب وفداحتها، عن وطنٍ مخنوقٍ بحصارٍ خارجي وقمعٍ داخلي. كانت كلماته مرآةً لعام 1991، ذلك العام المحفور في الذاكرة العراقية بندوبٍ لم تندمل، عامٌ فقد فيه بعضُ العراقيين أحباءهم في ساحات القتال بالكويت، وفقد آخرون ذويهم أثناء انسحاب القوات العراقية تحت قصفٍ سجّاديٍّ أميركيٍّ لا هوادة فيه، خلّف مقابر جماعية ما تزال مجهولة. وفُقِد كثيرون في انتفاضات 1991 وفي العقاب الجماعي الذي اجتاح مدنًا بأكملها، بينما تلاشى مصير آلاف الجنود في المجهول.

كان شبح الحصار الاقتصادي يُظلّلنا كسحابةٍ سوداء، مهدّدًا بإفناء أمّةٍ أنهكتها الحرب. الجوع والحرمان أنجبا الفساد والسرقة واليأس، فتآكل النسيج الأخلاقي للمجتمع. غير أنّني، وأنا أستعيد تلك السنوات اليوم، أرى أيضًا كيف أشعل ذلك الحصار، بقسوته نفسها، شرارة مقاومةٍ وإبداع؛ إذ رفع العراقيون شعار: «الابتكار ضدّ الحصار». غير أنّ الإنسان نادرًا ما يُبصر الأمل في قلب القنوط؛ فهو لا يتجلّى إلا بأثرٍ رجعي، بعد أن تمضي سنواتٌ طوال.

ومن تلك الرسالة—التي أعدّها اليوم وثيقةً تاريخية شجاعة لكاتبٍ عراقيٍّ لم ألتقِه قطّ، غير أنّ ألمه كان صدى لألمي—أستخرج هذا المقطع المُفزع:

(سيدتي، اكتبي عن الأمل الذي بدأ ينفذ  من خزين الروح، عن القسوة التي ولدت، عن الألم وصراخ الصامتين، اكتبي عن الذي فقد والديه بلحظة من الزمن ، عن الذي فقد حبيبته في ساعة الحرمان . نعم لقد رأيت أثناء مهنتي الطبية في السلم، وابان خدمتي للعلم،

الكثير  ولكن الذي شدني نحو لعن الحروب والدمار، هو وقوفي عاجزا أمام أطفال  كانوا يموتون بسبب حالات الاسهال والجفاف وذلك بسبب انعدام  السوائل الوريدية والأجهزة  التي عن طريقها تعطى تلك السوائل، وماهي الا مواد بسيطة، اذا تموت الروح  لانعدام الرحمة).

إلى الدكتور حسين، أقدّم أعمق اعتذاري لعدم الردّ على رسالتك طوال تلك السنوات. كان الخوف ظلًّا خانقًا يخيّم علينا، ويكمّم أفواهًا كثيرة، بما فيها صوتي. ومثل عددٍ لا يُحصى من العراقيين غير المؤدلَجين، حملتُ في داخلي المرارة ذاتها واليأس ذاته اللذين عبّرت عنهما كلماتك بجلاء. وكان هذا الوجع المشترك هو ما دفعني إلى كتابة قصيدتي «الحزن: زكا’ القلب» عام 1993، مرثاةً ولعنةً على الحرب..

لكن—لا—لم أكتب عن الأمل آنذاك، أيّها القارئ الكريم، لأنني لم أكن أعرفه بعد. فالإنسانيةُ مِرجلُ اختبار: محنةُ ألمٍ وتأمّلٍ وتجاوز. ومن خلال هذا الامتحان، وعبر عواصف الإيمان واليأس، وجدتُ طريقي إلى الأمل—أملٍ لا يقتصر على البقاء، بل ينشد التجدّد. أملٌ منسوجٌ بأصداء الفقدان والصمود، أنجب الأملية، هذا الكتاب بالذات—شهادةً على رحلةٍ عبر عواصف الذات وقدسية الأمل التي لا تزول.

وبعد كل هذه السنين ، يا دكتور  حسين ، أهدي هذه الكلمات، وادعو أن تصلك، وأن تعلم أن نداءك للأمل لم يذهب سدى . لقد صار نداؤك خيطًا أصيلًا في نسيج هذا الكتاب- شهادةً على الأمل الذي ينهض من رماد اليأس.هل أوفيتُ بطلبك، أيّتها الروح النبيلة؟ لا يسعني إلا أن أرجو أن تبلغك كلماتي الآن، أينما كنت.

•             هامش

اعلاه ترجمتي لفصل من كتاب الاملية. الذي صدر  لي قبل اشهر .

إلى الطبيب. العراقي. : حسين محبس حسن وكل ضحايا الحصار والحروب

الفصل  25


مشاهدات 58
الكاتب امل الجبوري
أضيف 2026/01/19 - 2:40 PM
آخر تحديث 2026/01/20 - 2:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 76 الشهر 14825 الكلي 13122248
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير