تطواف الغريب (41)
حسن النواب
لازمني الأرقُ والقلقُ في غرفة الفندق؛ كأن هجومًا مباغتًا من العدو على مواضعنا الأمامية في جبهة الحرب بات وشيكًا، وكان استسلامي للنوم مستحيلًا. فتركت المكان بحثًا عمّن أشتري منه الجعة. استوقفت عربة تكتك وطلبت من سائقها أن يوصلني إلى متجرٍ لبيع الخمور. كان شارع الهرم ما يزال مستيقظًا، والمتاجر والمطاعم تتلألأ بمصابيحها الملونة كأنها تصطاد الزبائن بشباكٍ من الضوء، فيما ظلّت حركة الناس تتدفق في الشارع كنهرٍ لا يعرف التعب. توغلنا في سوقٍ شعبي ليس بعيدًا عن الفندق، حتى توقفنا أمام حانوتٍ شبه معتم، بدا كأنه يتخفّى من عيون المارة خشية أن يفضحه الضوء. طلبت من البائع درزينة من جعة هولندية شهيرة، وفي الواقع لم تكن لديه سواها. وضعها في كيسٍ سميك وأعطيته ثمنها. وقبل أن أغادر المكان فطنتُ إلى أن هذه الجعة بحاجة إلى مفتاحٍ يحرّر أعناق القناني من قيودها. عدت أسأله عن حاجتي، فأخبرني أن بإمكاني شراءها من أي حانوتٍ للمواد الغذائية. توقف سائق التكتك كريم، وكان عمره لا يتجاوز العشرين عامًا، أمام أول متجر صادفناه، فرأيته يخرج خائبًا. ثم دخل متجرًا ثانيًا وثالثًا ورابعًا وخامسًا، ولا أثر للفتّاحة. استغربت الأمر؛ فهل من المعقول أن كل هذه المتاجر لا تبيع أداة صغيرة نطلق عليها في العراق اسم «المكسارة»؟ وعلى مدى أكثر من ساعة لم يترك السائق كريم متجرًا إلا ودخله من دون جدوى. فسألته عن سرّ اختفاء هذه الأداة البسيطة من أسواق الجيزة، فأجابني بما لم أتوقعه:
- الفتّاحة لدينا مشبوهة، والذي يسأل عنها يعني أنه يشرب الخمر.
قلت متهكمًا:
-كأني في أفغانستان وليس في مصر أم الدنيا.
فأجاب مبتسمًا بصعوبة:
-كنت أشعر بالحرج ولم أخبرك بالحقيقة.
طلبت منه أن أدخل بنفسي إلى أحد المتاجر وأسأل عنها. وما إن سمع البائع طلبي حتى رمقني بنظرةٍ جعلتني أشعر كأنني أسأله عن قطعة سلاح محرّمة، ثم قال بنبرة جافة:
- نحن لا نبيع هذه الأشياء.
- لماذا؟
- حتى لا نتحمل ذنوبها.
خرجت كالمصعوق وأنا أردد بيني وبين نفسي:
-لا فتّاحة في مصر!
لقد استرعى انتباهي شيوع التحفظ والورَع على معظم من قابلتهم، وهناك من تركني عندما حاورته بما شعرت بهِ. وفي السوق الشعبي لبيع الخضراوات استوقفني شكل ثمرة لم أر مثلها من قبل، كانت دائرية محمية داخل غلاف ورقي هش كبرقع عروس فبدت أمام ناظري تشبه لؤلؤة صغيرة بلون برتقالي ومنها أصفر فاقع. ولما سألت عن اسمها أخبرني البائع أنها «الحرنكش»، وأنها ذات فائدة مجرّبة لمن يعاني من ضغط الدم وداء السكري، فاشتريت منها نصف كيلو. عاد بي الفتى كريم إلى الفندق بعد أن يئسنا من العثور على الفتّاحة المنشودة، تلك الأداة التي تحولت في تلك الليلة إلى كائنٍ أسطوري عصي على المنال. أكرمته بمبلغٍ كان يحلم به، وشكرني كثيرًا وهو يعدني بأنه سيعود إليّ إذا عثر عليها. لم يبق أمامي سوى فتح غطاء قنينة الجعة بأسناني، لكن كيف أفعل ذلك وفكي العلوي من الأسنان كان صناعيًا؟ لبثت جالسًا في صالة الفندق مهمومًا، كجنرالٍ خسر معركةً بسبب مسمارٍ صغير. اقترب مني أحد العمال وسألني إن كنت بحاجة إلى شيء، فأجبته بيأس:
- أريد فتّاحة للقناني.
اتسعت عيناه بدهشة، كأني طلبت منه عبوة ناسفة أو خريطةً لكنزٍ فرعوني، ثم انصرف عني. وبعد دقائق جاء مدير الفندق وعلى وجهه ابتسامة المنتصر في معركة طويلة، وقال:
- وجدتُ لك واحدة يا أفندم.
أخرجها من جيبه بهدوء كأنه يعرض لُقيةً أثرية ثمينة. وحين نظرت إليها وجدتها صدئة وقديمة، حتى خُيّل إليّ أنها خرجت توًّا من أحد المقابر الفرعونية. أخذتها منه ممتنًا وصعدت إلى غرفتي. استقبلني شخير صديقي إبراهيم سبتي، بينما جلست أنا محبطًا لا شهية عندي إلى أي شيء. وضعت الفتّاحة النادرة على غطاء القنينة مرتابًا؛ فليس مستبعدًا أن تتقاعد عن العمل بعد كل هذه القرون. لكنها نجحت أخيرًا في انتزاع الغطاء كما ينتزع الفاتح رايته من فوق أسوار مدينة معاندة. تنفست الصعداء أخيرًا، وبقيت أفرغ قناني الجعة الواحدة تلو الأخرى، حتى استسلم الأرق، وانسحب القلق من رأسي مهزومًا، وغفوت.