تطواف الغريب (39)
حسن النواب
منذُ سنوات مراهقتي كنتُ أحلم بزيارة القاهرة، لكن هذا الحلم لم ير النور إلا في العام الماضي عندما كنت في البلاد. وجدتُ أجور التذكرة بكروب سياحي مشجعة جدًا ينطلق من مطار بغداد على الخطوط الجوية العراقية، فوصلنا مطار القاهرة عند الظهيرة بصحبة صديقي القاص إبراهيم سبتي الذي كان قد زار مصر لأكثر من مرة. كان بانتظارنا مرشد سياحي اسمه محمود، ومثل كل المصريين الذين يمتازون باللباقة والترحاب البشوش أخذنا بحافلة صغيرة إلى مكان إقامتنا في الجيزة. خلال الطريق عرض علينا مواقع أخرى يمكن رؤيتها بمعزل عن البرنامج السياحي مقابل مبلغ زهيد. رحبنا بمقترحه جميعًا. كان الكروب مؤلفًا من ثلاث عائلات وكنا بينهم بمفردنا. انتهزنا فرصة الراحة في الفندق الذي كان أنيقًا لنخرج مستطلعين منطقة الجيزة. أول ما استرعى انتباهي الأهرامات في الأفق البعيد، تلك التي طالما حلمتُ بلمس حجارتها. وقد ارتفعت شامخة كأنها حراسٌ أسطوريون ما زالوا يراقبون القاهرة منذ آلاف السنين. وأخذنا زحام شارع الهرم الذي انتشرت على جانبيه دكاكين تعرض بضاعتها الفرعونية من قلائد وملابس وعطور ومفروشات. فبدت الطريق كأنها متحفٌ مفتوح يفترش التاريخ على الأرصفة. أقبل أحدهم كأنه شمَّ رائحة الغربة في ملامحنا قبل أن ننطق بكلمة واحدة، ودعانا بلهجته المصرية المحببة لرؤية أصناف العطور التي يمتلكها. لم نخرج منه إلا بزجاجة عطر كان ثمنها عشرة دولارات. في الواقع اشتريتها مجاملة حتى لا يشعر بالخيبة، لأني أمتلك خبرة بالعطور لا يستهان بها. وكنت أعرف أن ثمن العطر الذي صار بحوزتي أقل من ذلك، لكني حرصت ألا يضيع الجهد الذي بذله بإقناعنا أدراج الرياح. كان يردد بين جملة وأخرى:
- أهل العراق كرماء أكثر من أهل الخليج؟
- كيف؟
- لأنكم تعطون بلا منّة ولا غرور.
- وماذا عن السائحين من الغرب؟
- بخلاء جدًا يا أفندم.
تركنا محل العطور لنتوغل في الشارع الذي أضاءته مصابيح ملونة من الجانبين، ريثما وصلنا إلى بائع الفلافل الذي كان مزدحمًا «بالغلابة»، فانتابني شعورٌ بالراحة لأني واحد منهم. كأنني وجدتُ جزءًا من حياتي الكادحة في مدينةٍ لم أزرها من قبل. ولا أدري إن كان صديقي يشاركني ذلك الإحساس. أثناء العودة إلى الفندق لفت نظري مسدسٌ بارزٌ من حزام أحد المصريين وقد جلس على مقعد بجوار المطعم الشعبي. خمنت أنه أحد رجال الأمن، فتعكّر مزاجي وتذكرت رجال الزيتوني في زمن الطاغية كيف يستعرضون أسلحتهم لترهيب الناس. ولذا دنوت منه قائلًا بلا تردد:
- تستعرض أمام الناس سلاحك وأنت رجل أمن.
من لهجتي عرف أني عراقي، فنهض وصافحني بحرارة ثم قال:
- شكرًا يا أفندم على تنبهي.
ودعاني مع صديقي لشرب فنجان قهوة، لكني لم أقبل دعوته وانصرفتُ بعيدًا بينما كانت شمس القاهرة مثل برتقالة ضخمة يلتهمها هرم «خوفو» إيذانًا بالغروب. تناهى إلى مسامعنا الغناء المصري الشعبي، كأن صوت المطرب ألقى حبلاً خفيًا حول أقدامنا وسحبنا نحوه. وإذا بقناديل خلّابة تتلألأ بألوان القزح داخل خيمة عملاقة. كانت حفلة عرس صاخبة تشبه مشهدًا خرج للتو من فيلمٍ مصري قديم، يعجّ بالضحكات والغناء ورائحة الفرح الشعبي. المطرب يغني بحرقة من حشاشة قلبه وكوكبة من الفتية يرقصون أمامه ويحملون العصي، يتبارزون فيما بينهم بين حين وآخر. جلسنا في داخل الخيمة بعض الوقت وقد حرصوا على ضيافتنا عندما عرفوا أننا من العراق. كنت أفكر إهداء العريس مبلغًا من المال، لكني تراجعت عن ذلك في آخر لحظة خشية من اعتراضهم على ذلك. فنحن في العراق نقدم الهدية للعريس كواجب مفروض، لكن ربما الأمر يختلف عند الأشقاء المصريين. بدت القاهرة في تلك الليلة ككتابٍ عتيقٍ مفتوح، كلُّ شارعٍ فيه صفحة، وكلُّ صفحة تحمل حكاية جديدة. عدنا إلى الفندق بانتظار الصباح والمرشد السياحي محمود الذي سيحملنا بحافلة صغيرة إلى الأهرامات التي أتمنى رؤيتها عن كثب وعلى أحر من طبق الفول الشهي.
يتبع…