رواتب الفضائيين هدر نظامي
أحمد فاتح محمد
في العراق موظف لا يراه أحد ولا يعرف زملاؤه وجهه، ولا يجلس على كرسي ولا يدخل غرفة وليس على عاتقه اية التزامات ادارية. غير أنه في نهاية كل شهر يقبض راتبه بانتظام يحسد عليه الأحياء. سماه الناس الفضائي، وهو اسم أصاب المعنى فصاحبه موجود في الكشوف، غائب عن الدائرة، وكأنه يدور في فلكٍ آخر لا تصل إليه رقابة.والسؤال القانوني هنا بسيط في ظاهره: ما الذي يجعل الأجر مشروعاً؟ إنه مقابل العمل. فإذا انتفى العمل بقي المال مالاً عاماً صرف بلا سبب، وصار الصرف اعتداء على أموال الدولة. وقانون العقوبات العراقي يعد الاستيلاء على المال العام بغير وجه حق جريمة اختلاس أو إضراراً عمداً بالمصلحة العامة، ويسال عنها القابض والمدير الذي وقّع والمحاسب الذي مرر ما دام قد علم أو كان علمه واجباً. وفي الأمر وجه آخر قلما يلتفت إليه: الفضائي لا يسرق وحده. لا بد من إضبارة فتحت وتوقيعٍ أُجيز، وختم ضرب وحسابٍ فتح باسمٍ لا صاحب له. أي أن الجريمة تبنى من حلقات إدارية متصلة، وكل حلقة منها تبدو في نظر صاحبها روتيناً لا يستحق الوقوف عنده. وهنا مكمن الخطر: حين تتحول الجريمة إلى إجراء، يصعب على الضمير أن يعترض لأنه لا يجد جريمة يعترض عليها.وقد نص الدستور على أن للأموال العامة حرمة، وعلى أن حمايتها واجب على كل مواطن. غير أن الحماية لا تتحقق بالنصوص وحدها، وإنما بمنظومة تسمى الأشياء بأسمائها: كشوفٌ تطابق مع الوجوه، وبصمةٌ ترتبط بالراتب، وقضاء لا يكتفي بمعاقبة الصغير ويترك من وقّع من فوق. والمال العام ليس مالاً بلا صاحب، فصاحبه كل عراقي يدفع ثمن الراتب الوهمي من خدمة لم تصله ومدرسة لم تُبنَ. ومن أراد أن يعرف حجم المأساة فليسأل: كم من الأحياء ينتظرون وظيفة، بينما يقبض الغائبون رواتبهم؟