الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عشرون عام

← بواسطة azzaman

قصة قصيرة

عشرون عام

كنعان بليج

 

مهداة: إلى سعدون جابر، و غارسيا ماركيز.!!!

 

 

 

في ذلك العام،  من شهر ذي العجب ،أصدر مجلس الزمن الأعلى قراراً تاريخياً يقضي بتعديل التقويم، استجابةً لمطالب المواطنين الذين ضاقوا ذرعاً بطول الانتظار وقصر الأعمار.

أصبحت أيام الشهر خمسين يوماً، واختُصرت السنة إلى ستة أشهر فقط.

قالوا إن القرار سيمنح الناس وقتاً أطول للعمل، وفرصاً أكثر للعيش، وسنوات إضافية لتحقيق أحلامهم المؤجلة.

لم يعترض أحد. فالناس، كما تعلمون، يصفقون دائماً للقرارات التي لا يفهمون عواقبها.

في البداية، بدا الأمر رائعاً. صار الموظف يتقاضى راتبه مرتين في الشهر، والعاشق يجد خمسين يوماً ليكتب رسائله، والمرشحون للانتخابات يحصلون على مواسم انتخابية أكثر، والخطباء وجدوا وقتاً إضافياً لإلقاء الخطب نفسها.

لكن شيئاً غريباً بدأ يحدث.

لم يعد الأطفال أطفالاً طويلاً، ولم يعد الشباب شباباً بما يكفي. صار الرجل الذي بلغ العشرين من عمره يشعر بثقل السبعين، والمرأة التي احتفلت بعيد ميلادها الثلاثين بدأت تبحث عن طبيب للشيخوخة.

أما أصحاب المعاشات، فقد صاروا أكثر الناس رعباً من التقويم الجديد؛ إذ اكتشفوا أن أعمارهم تتقدم بسرعة تفوق سرعة صرف رواتبهم.

كان أبو حامد، الذي بلغ الأربعين وفق التقويم الجديد، يجلس أمام المرآة كل صباح، يتأمل وجهه الذي انكمش، وشعره الذي غادر رأسه دون إذن، ويديه اللتين ارتجفتا قبل أن تزحف الشيخوخة التقليدية إليهما مثل أفعى .

قال لزوجته ذات صباح:

ـ كم مضى على زواجنا؟

أجابته وهي تبحث عن نظارتها:

ـ عشرون عاماً.

ابتسم بحزن:

ـ عشرون عاماً فقط؟ أشعر كأنني عشت معك ثمانين سنة!

رمقته بنظرة غاضبة وقالت:

ـ وأنا أشعر أنني قضيت معك مئة عام، لكنني لم أمت بعد لأرتاح! أصبحنا ديناصورين دون أن نشعر!!.

ضحكا قليلاً، ثم ساد الصمت.

في الشارع، كان الأطفال يحملون العصي بدلاً من الألعاب، والشباب يتحدثون عن أمراض المفاصل، والعجائز يتبادلون نصائح عن كيفية النجاة من يوم إضافي.

أما الحكومة، فقد أعلنت نجاح التجربة بنسبة مئة بالمئة، وأصدرت بياناً أكدت فيه أن متوسط العمر ارتفع بشكل غير مسبوق.

سأل صحفي وزير التخطيط بلهفة:

ـ لكن الناس يشيخون بسرعة، وبعضهم يموتون قبل أن يحققوا أحلامهم!

أجابه الوزير بثقة:

ـ نحن لا نقيس جودة الحياة بعدد السنوات التي يعيشها المواطن، بل بعدد السنوات التي نسجلها في سجلات الدولة.

ـ وماذا عن الذين عاشوا عشرين عاماً وأصبحوا في أرذل العمر؟

ابتسم الوزير وقال:

ـ هؤلاء محظوظون، لقد ربحوا عشرين عاماً إضافية من الحياة!

ثم غادر المؤتمر على كرسي متحرك، فقد كان قد بلغ السادسة والثلاثين من عمره.

وفي المساء، جلس أبو حامد أمام نافذته، يتأمل الشمس وهي تغيب للمرة الأخيرة في ذلك الشهر الطويل.

تذكر أحلامه القديمة: كتاباً أراد تأليفه ،  ولكن دور النشر كلها اعتذرت عن نشره ،ومدينة أراد زيارتها،  ولكن جيبه المثقوب ، ودنانيره القليلة، كانا له بالمرصاد ، وحباً لم يجد له وقتاً، واعتذاراً أجّله حتى نسي لمن كان موجهاً.

قال لنفسه:

«لم تكن مشكلتنا يوماً في قصر العمر، بل في أننا أمضينا نصفه ننتظر أن نبدأ الحياة».

ثم أغمض عينيه.

وفي صباح اليوم التالي، أعلنت وزارة الزمن عن مشروع جديد تحت عنوان:

«نصف سنة إضافية من العمر لكل مواطن».

ولم يسأل أحد عن الثمن.

فقد كان الجميع مشغولين بالبحث عن مقاعد شاغرة في دور المسنين.


مشاهدات 57
الكاتب كنعان بليج
أضيف 2026/11/02 - 2:33 PM
آخر تحديث 2026/11/03 - 12:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 97 الشهر 4522 الكلي 16655056
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/11/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير