الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطوافُ‭ ‬الغريب 37

بواسطة azzaman

تطوافُ‭ ‬الغريب 37

حسن‭ ‬النواب

 

في‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬يمكنُ‭ ‬للمواطن‭ ‬الأسترالي‭ ‬السفر‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭ ‬بإجازةٍ‭ ‬لمدة‭ ‬أربعة‭ ‬أسابيع‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬صرف‭ ‬مستحقات‭ ‬العمل،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬تتوقف‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬العودة‭ ‬ومباشرة‭ ‬عملك‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬كانت‭ ‬وجهتنا‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬إجازة‭ ‬سنوية‭ ‬إلى‭ ‬تايلند،‭ ‬التي‭ ‬يزورها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬وثلاثين‭ ‬مليون‭ ‬سائح‭ ‬سنويًا‭. ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬العاصمة‭ ‬بانكوك‭ ‬نهارًا‭ ‬بعد‭ ‬توقفٍ‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬سنغافورة‭ ‬لمدة‭ ‬أربع‭ ‬ساعات‭. ‬كان‭ ‬الفندق‭ ‬الذي‭ ‬حجزنا‭ ‬فيه،‭ ‬‮«‬نانا‭ ‬سيتي‮»‬‭ ‬ذو‭ ‬النجمتين،‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العاصمة‭ ‬وعلى‭ ‬بُعد‭ ‬مئات‭ ‬الأمتار‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬العرب،‭ ‬الذي‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬بعد‭ ‬عبور‭ ‬شارعٍ‭ ‬يضجُّ‭ ‬بالحانات‭ ‬وبنات‭ ‬الليل‭ ‬اللائي‭ ‬تربو‭ ‬أعمار‭ ‬معظمهنّ‭ ‬على‭ ‬العشرين‭ ‬عامًا‭. ‬لم‭ ‬نكد‭ ‬نضع‭ ‬حقائب‭ ‬السفر‭ ‬في‭ ‬الغرفة‭ ‬حتى‭ ‬انطلقنا‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬العرب،‭ ‬كأنه‭ ‬أشبه‭ ‬بواحةٍ‭ ‬خليجية‭ ‬ضلّت‭ ‬طريقها‭ ‬واستقرت‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬آسيا‭. ‬مطاعم‭ ‬وحوانيت‭ ‬عربية‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬الأصناف،‭ ‬معظمها‭ ‬يبيع‭ ‬العطور،‭ ‬وهناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكتب‭ ‬لحجوزات‭ ‬السفر‭. ‬نصحنا‭ ‬عراقي‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬البصرة‭ ‬بالذهاب‭ ‬إلى‭ ‬مكتب‭ ‬حجز‭ ‬لأحد‭ ‬الإخوة‭ ‬الكرد‭ ‬يُدعى‭ ‬دلشاد‭. ‬وكان‭ ‬صادقًا‭ ‬في‭ ‬نصيحته،‭ ‬إذ‭ ‬وجدنا‭ ‬أن‭ ‬فرق‭ ‬السعر‭ ‬يناهز‭ ‬أربعمائة‭ ‬دولار‭ ‬بين‭ ‬حجزنا‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ (‬بوكيت‭) ‬عن‭ ‬طريقه‭ ‬وعروض‭ ‬المكاتب‭ ‬الأخرى‭. ‬اقترح‭ ‬علينا‭ ‬الأخ‭ ‬دلشاد‭ ‬سفرةً‭ ‬نهريةً‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المساء‭ ‬بسعرٍ‭ ‬زهيد،‭ ‬فوافقنا‭ ‬على‭ ‬الفور‭. ‬جاءت‭ ‬مركبة‭ ‬حديثة‭ ‬وحملتنا‭ ‬إلى‭ ‬اليخت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المحدد‭. ‬كانت‭ ‬بانكوك‭ ‬تبدو‭ ‬أمامنا‭ ‬كراقصةٍ‭ ‬آسيوية‭ ‬لا‭ ‬تهدأ،‭ ‬تغيّر‭ ‬أثوابها‭ ‬كلما‭ ‬انعطفنا‭ ‬من‭ ‬شارعٍ‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬استقبلنا‭ ‬النادل‭ ‬بزيّه‭ ‬التايلندي‭ ‬بحفاوةٍ‭ ‬واضحة،‭ ‬ثم‭ ‬قادنا‭ ‬إلى‭ ‬المائدة‭ ‬المحجوزة‭ ‬لنا‭. ‬رأينا‭ ‬معظم‭ ‬السائحين‭ ‬على‭ ‬اليخت‭ ‬من‭ ‬العرب،‭ ‬وهناك‭ ‬فقرات‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬الفلكلور‭ ‬التايلندي‭ ‬تُقدَّم‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬صغير‭. ‬كانت‭ ‬إحدى‭ ‬الفقرات‭ ‬جريئةً‭ ‬في‭ ‬مفرداتها‭ ‬وحركاتها،‭ ‬فآثرت‭ ‬العائلة‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬صالة‭ ‬اليخت‭ ‬خجلًا‭. ‬ولحقتُ‭ ‬بهم‭ ‬بعد‭ ‬دقائق،‭ ‬بعدما‭ ‬حاول‭ ‬الفضول‭ ‬أن‭ ‬يشدني‭ ‬من‭ ‬كمّي‭ ‬بإلحاح‭ ‬لمتابعة‭ ‬تلك‭ ‬الفقرة‭ ‬المثيرة‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬رأيناه‭ ‬خارج‭ ‬اليخت‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬سحرًا‭ ‬وإبهارًا‭. ‬وجدنا‭ ‬بانكوك‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬الماء‭ ‬كعروسٍ‭ ‬تتأمل‭ ‬زينتها‭ ‬في‭ ‬مرآةٍ‭ ‬طويلة‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭. ‬معابد‭ ‬مذهّبة‭ ‬ترتفع‭ ‬على‭ ‬ضفتي‭ ‬النهر‭ ‬كأنها‭ ‬هالاتٌ‭ ‬من‭ ‬نور،‭ ‬وأبراج‭ ‬شاهقة‭ ‬بألوان‭ ‬الطيف،‭ ‬ونسيمٌ‭ ‬شفيفٌ‭ ‬يزيل‭ ‬عن‭ ‬الجسد‭ ‬آثار‭ ‬التعب‭ ‬كما‭ ‬تمسح‭ ‬الأم‭ ‬الغبار‭ ‬عن‭ ‬وجه‭ ‬طفلها‭. ‬بعد‭ ‬مضي‭ ‬ساعتين‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬فندق‭ ‬نانا‭. ‬لم‭ ‬نتناول‭ ‬أنا‭ ‬وزوجتي‭ ‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬قُدِّم‭ ‬على‭ ‬اليخت،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المائدة‭ ‬المفتوحة‭ ‬كانت‭ ‬تزخر‭ ‬بشتى‭ ‬أصناف‭ ‬الطعام‭ ‬التي‭ ‬استساغها‭ ‬الأبناء‭. ‬لذلك‭ ‬نزلتُ‭ ‬معها‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬العرب‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬وجبة‭ ‬عراقية‭. ‬وجدنا‭ ‬الشاورما‭ ‬والفلافل‭ ‬والخبز‭ ‬والصمون‭ ‬العراقي،‭ ‬لكن‭ ‬مطعمًا‭ ‬يمنيًا‭ ‬جرّتنا‭ ‬إليه‭ ‬رائحة‭ ‬التوابل‭ ‬كما‭ ‬ينجذب‭ ‬الغريق‭ ‬إلى‭ ‬ضوء‭ ‬منارةٍ‭ ‬بعيدة‭. ‬وهناك‭ ‬تناولنا‭ ‬مندي‭ ‬لحم‭ ‬الضأن‭. ‬عند‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭ ‬بدت‭ ‬المدينة‭ ‬أمام‭ ‬ناظري‭ ‬كجوهرةٍ‭ ‬أُلقيت‭ ‬في‭ ‬نهرٍ‭ ‬من‭ ‬الظلام‭.  ‬ما‭ ‬إن‭ ‬ابتعدتُ‭ ‬عن‭ ‬زوجتي‭ ‬لشراء‭ ‬علبة‭ ‬سجائر،‭ ‬حتى‭ ‬توافد‭ ‬نحوي‭ ‬سربٌ‭ ‬من‭ ‬الصبايا‭ ‬وتحلّقن‭ ‬حولي‭ ‬كفراشاتٍ‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬ضوءٍ‭ ‬عابر،‭ ‬وهنّ‭ ‬يعرضن‭ ‬قضاء‭ ‬ليلةٍ‭ ‬مقابل‭ ‬عشرين‭ ‬دولارًا‭. ‬ولأنهن‭ ‬لا‭ ‬يجدن‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬كنّ‭ ‬يستعنّ‭ ‬بالهاتف‭ ‬النقال‭ ‬للترجمة‭ ‬الفورية‭. ‬ترجمت‭ ‬إحداهن‭ ‬ما‭ ‬قالته‭ ‬إلى‭ ‬العربية،‭ ‬فجاء‭ ‬صوت‭ ‬الهاتف‭ ‬يقول‭:‬

‭- ‬سأفعل‭ ‬لك‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬مقابل‭ ‬عشرين‭ ‬دولارًا‭.‬

أجبتها‭ ‬بالإنجليزية،‭ ‬فترجم‭ ‬الهاتف‭ ‬كلامي‭ ‬إلى‭ ‬التايلندية‭:‬

‭- ‬زوجتي‭ ‬تنتظرني‭.‬

فقالت‭ ‬مبتسمة‭:‬

‭_ ‬أنصحك‭ ‬بعدم‭ ‬المجيء‭ ‬مع‭ ‬زوجتك‭ ‬إلى‭ ‬بانكوك‭ ‬مرةً‭ ‬أخرى،‭ ‬لأنك‭ ‬ستشبع‭ ‬بطنك‭ ‬فقط‭.‬

ولما‭ ‬شعرت‭ ‬زوجتي‭ ‬بتأخري‭ ‬معهنّ،‭ ‬صرخت‭ ‬غاضبة‭:‬

–‭ ‬لازم‭ ‬عجبك‭ ‬الجو،‭ ‬شو‭ ‬ساكت؟

أجبتها‭ ‬وأنا‭ ‬أسرع‭ ‬نحوها‭:‬

‭- ‬الصمت‭ ‬في‭ ‬حرم‭ ‬الصبايا‭ ‬جمالُ‭.‬

كادت‭ ‬تجمع‭ ‬لوازمها‭ ‬في‭ ‬الحقيبة‭ ‬لتعود‭ ‬إلى‭ ‬بيرث‭ ‬وحدها،‭ ‬لكن‭ ‬توسلات‭ ‬الأبناء‭ ‬ألجمت‭ ‬رغبتها‭ ‬العنيفة‭ ‬في‭ ‬تركنا‭. ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فكنتُ‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬شوارع‭ ‬بانكوك‭ ‬المضيئة‭ ‬وأشعر‭ ‬أنها‭ ‬مدينةٌ‭ ‬تمشي‭ ‬بقناعٍ‭ ‬من‭ ‬الألوان،‭ ‬فيما‭ ‬تخفي‭ ‬خلف‭ ‬ابتسامتها‭ ‬أسرارًا‭ ‬لا‭ ‬تُروى‭ ‬على‭ ‬قارعة‭ ‬الطريق،‭ ‬ولا‭ ‬يُعلَن‭ ‬عنها‭ ‬على‭ ‬الملأ‭.‬

يتبع‭…‬

 


مشاهدات 25
الكاتب حسن‭ ‬النواب
أضيف 2026/09/21 - 1:10 PM
آخر تحديث 2026/09/22 - 12:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 122 الشهر 36703 الكلي 16569223
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير