حسن النواب
في كل عام، يمكنُ للمواطن الأسترالي السفر خارج البلاد بإجازةٍ لمدة أربعة أسابيع مع استمرار صرف مستحقات العمل، وبعد ذلك تتوقف إلى حين العودة ومباشرة عملك من جديد. كانت وجهتنا في آخر إجازة سنوية إلى تايلند، التي يزورها أكثر من خمسة وثلاثين مليون سائح سنويًا. وصلنا إلى العاصمة بانكوك نهارًا بعد توقفٍ في مطار سنغافورة لمدة أربع ساعات. كان الفندق الذي حجزنا فيه، «نانا سيتي» ذو النجمتين، يقع في قلب العاصمة وعلى بُعد مئات الأمتار من سوق العرب، الذي تصل إليه بعد عبور شارعٍ يضجُّ بالحانات وبنات الليل اللائي تربو أعمار معظمهنّ على العشرين عامًا. لم نكد نضع حقائب السفر في الغرفة حتى انطلقنا إلى شارع العرب، كأنه أشبه بواحةٍ خليجية ضلّت طريقها واستقرت في قلب آسيا. مطاعم وحوانيت عربية من شتى الأصناف، معظمها يبيع العطور، وهناك أكثر من مكتب لحجوزات السفر. نصحنا عراقي من أهل البصرة بالذهاب إلى مكتب حجز لأحد الإخوة الكرد يُدعى دلشاد. وكان صادقًا في نصيحته، إذ وجدنا أن فرق السعر يناهز أربعمائة دولار بين حجزنا إلى مدينة (بوكيت) عن طريقه وعروض المكاتب الأخرى. اقترح علينا الأخ دلشاد سفرةً نهريةً في ذلك المساء بسعرٍ زهيد، فوافقنا على الفور. جاءت مركبة حديثة وحملتنا إلى اليخت في الوقت المحدد. كانت بانكوك تبدو أمامنا كراقصةٍ آسيوية لا تهدأ، تغيّر أثوابها كلما انعطفنا من شارعٍ إلى آخر. استقبلنا النادل بزيّه التايلندي بحفاوةٍ واضحة، ثم قادنا إلى المائدة المحجوزة لنا. رأينا معظم السائحين على اليخت من العرب، وهناك فقرات متنوعة من الفلكلور التايلندي تُقدَّم على مسرح صغير. كانت إحدى الفقرات جريئةً في مفرداتها وحركاتها، فآثرت العائلة الخروج من صالة اليخت خجلًا. ولحقتُ بهم بعد دقائق، بعدما حاول الفضول أن يشدني من كمّي بإلحاح لمتابعة تلك الفقرة المثيرة. لكن ما رأيناه خارج اليخت كان أكثر سحرًا وإبهارًا. وجدنا بانكوك تنعكس على صفحة الماء كعروسٍ تتأمل زينتها في مرآةٍ طويلة لا نهاية لها. معابد مذهّبة ترتفع على ضفتي النهر كأنها هالاتٌ من نور، وأبراج شاهقة بألوان الطيف، ونسيمٌ شفيفٌ يزيل عن الجسد آثار التعب كما تمسح الأم الغبار عن وجه طفلها. بعد مضي ساعتين عدنا إلى فندق نانا. لم نتناول أنا وزوجتي الطعام الذي قُدِّم على اليخت، رغم أن المائدة المفتوحة كانت تزخر بشتى أصناف الطعام التي استساغها الأبناء. لذلك نزلتُ معها إلى شارع العرب بحثًا عن وجبة عراقية. وجدنا الشاورما والفلافل والخبز والصمون العراقي، لكن مطعمًا يمنيًا جرّتنا إليه رائحة التوابل كما ينجذب الغريق إلى ضوء منارةٍ بعيدة. وهناك تناولنا مندي لحم الضأن. عند العودة إلى الفندق بدت المدينة أمام ناظري كجوهرةٍ أُلقيت في نهرٍ من الظلام. ما إن ابتعدتُ عن زوجتي لشراء علبة سجائر، حتى توافد نحوي سربٌ من الصبايا وتحلّقن حولي كفراشاتٍ تبحث عن ضوءٍ عابر، وهنّ يعرضن قضاء ليلةٍ مقابل عشرين دولارًا. ولأنهن لا يجدن الإنجليزية، كنّ يستعنّ بالهاتف النقال للترجمة الفورية. ترجمت إحداهن ما قالته إلى العربية، فجاء صوت الهاتف يقول:
- سأفعل لك كل ما تريد مقابل عشرين دولارًا.
أجبتها بالإنجليزية، فترجم الهاتف كلامي إلى التايلندية:
- زوجتي تنتظرني.
فقالت مبتسمة:
_ أنصحك بعدم المجيء مع زوجتك إلى بانكوك مرةً أخرى، لأنك ستشبع بطنك فقط.
ولما شعرت زوجتي بتأخري معهنّ، صرخت غاضبة:
– لازم عجبك الجو، شو ساكت؟
أجبتها وأنا أسرع نحوها:
- الصمت في حرم الصبايا جمالُ.
كادت تجمع لوازمها في الحقيبة لتعود إلى بيرث وحدها، لكن توسلات الأبناء ألجمت رغبتها العنيفة في تركنا. أما أنا فكنتُ أنظر إلى شوارع بانكوك المضيئة وأشعر أنها مدينةٌ تمشي بقناعٍ من الألوان، فيما تخفي خلف ابتسامتها أسرارًا لا تُروى على قارعة الطريق، ولا يُعلَن عنها على الملأ.
يتبع…