لم تكن الأهرامات بعيدة عن مكان إقامتنا، فوصلنا بحافلة صغيرة بعد نصف ساعة تقريبًا، ولم يكن الزحام شديدًا عند بوابات الدخول، بينما قام المرشد السياحي محمود بإجراءات قطع التذاكر لنا. دخلنا إلى صالة واسعة بسقف مرتفع، وكان الناس في داخلها بحركة دؤوبة. ولأن الكروب يضم بعض النسوة، فمن المؤكد أنهن سيطلبن الترويح عن أنفسهن في المرافق الصحية، وكنت مع صديقي إبراهيم سبتي نريد ذلك أيضًا لأننا نعاني من داء السكر المزمن. يقولون: تعرف البلد من نظافة مرافقه العامة، ولم يخب ظننا، إذ وجدنا المكان نظيفًا للغاية، برغم كثرة الداخلين إليه. تركنا القاعة الفسيحة لنركب حافلة بالمجان نزلنا منها قرب الهرم الأكبر خوفو. بدا أمام ناظري كملكٍ حجريٍّ هائلٍ جلس على عرش الصحراء منذ آلاف السنين، وما زال يراقب القادمين بصمته المهيب. لكن أول ما لفت نظري ليس ارتفاعه الشاهق، إنما حجم الحجارة الكلسية التي شُيّد منها. كل حجرٍ يبلغ متوسط وزنه 2.5 طن، ويتم سحبه بواسطة حبال غليظة. كانت الحجارة الضخمة مرصوصة فوق بعضها كأنها صفحاتُ كتابٍ عملاقٍ دوّنت عليه معاناة الشغيلة الذين اشتركوا في بنائه. سرحت بأفكاري بعيدًا، لأتخيّل عدد الضحايا الذين ساهموا في بناء هذه الأهرامات على مدى أكثر من عشرين عامًا. وتساءلت عن الجدوى من وجودها، وما فرقها عن الحكومات الدموية التي تفرّط بثروتها البشرية في الحروب العبثية وبناء مصانع الأسلحة. في الواقع استحوذ على خاطري الامتعاض، فأخبرت صديقي إبراهيم مهمومًا:
- لو جمعت عدد الضحايا الذين ساهموا في بناء الأهرامات، لكانت أكثر ارتفاعًا منها.
فوجئ بكلامي ولبث ساهمًا لبرهة، ثم قال:
- يا لأفكارك الغريبة.
جلستُ قانطًا على حافة الرصيف قبالة هرم خوفو، فيما كان العملاق الحجري ينتصب أمامي كقاضٍ صامتٍ يستمع إلى احتجاجاتي ولا يملك جوابًا. بينما كانت خلفي، في منحدرٍ قريب، مئات البعران التي تنتظر من يركبها مقابل مئة جنيه مصري. كان الذين يمتلكونها يتوددون للسائحين على أمل إقناعهم بركوب أباعرهم. نجحوا بكسب عشرات الزبائن، ولم أكن مع صديقي من ضمنهم. ركبنا حافلة أخرى بالمجان نقلتنا إلى مرتفع يطلُّ على تمثال (أبو الهول). كان عليك أن تقطع مسافة طويلة سيرًا على الأقدام حتى تكون قريبًا منه وتتفرج عليه عن كثب، وعلى براعة الفنان الذي أبدعه. حثّني صديقي إبراهيم على ذلك، لكنني اكتفيت بالنظر إليه من بعيد والتقاط صورة معه. تركنا الأهرامات، وصورة عناء وضنك الشغيلة الذين ساهموا في بنائها، وآلاف الضحايا منهم ما زالت عالقة في خاطري. ما فرقهم عن الجنود الذين قضوا نحبهم في حروب مجانية؟ ركبنا الحافلة الصغيرة التي أخذتنا هذه المرة إلى مبنى صغير ينتج أنواع العطور. استقبلتنا امرأة تفيض حيوية، وكانت كلماتها تتدفق كجدولٍ جبلي صافٍ لا يعرف التلعثم أو التوقف، وتتكلم باللهجة العراقية، إذ تعود أصولها إلى مدينة كردية من شمال العراق. عرفنا منها أنها تقيم في مصر منذ ثلاثين عامًا. كانت طريقتها في الكلام شائقة، وأقنعت معظم أفراد الكروب بشراء العطور الدهنية التي استُخرجت من شتى أنواع الزهور. لكني كنت أحتفظ بقارورة صغيرة من عطر الورد في جيبي، جلبها ولدي تبارك من دبي. فعرضتها على سيدة العطور، وما إن شمّتها حتى أدركت أصالة العطر، لكن القارورة لم ترجع إلى جيبي، وكأنها وجدت قدرًا آخر لها؛ إذ استنشقتها إحدى السيدات من أفراد الكروب حتى أغرمت بها كما تتعلق طفلةٌ بلعبةٍ أحبّتها من النظرة الأولى، وطلبتها مني كذكرى. فأكرمتها بها عن رحابة صدر. عند خروجنا من مبنى العطور، اقترب مني زوجها واعتذر على وقاحة زوجته حين طلبت مني قارورة عطر الورد. فأجبته أني منحتها قارورة العطر عن طيب خاطر. لكن الواقع كان يقول غير ذلك، إذ إني اعتدت منذ سنوات على مسح وجهي بذلك العطر قبل النوم، الذي يدعني أغفو خلال دقائق. عدنا إلى الفندق وأنا أفكر بعطر الورد أكثر من تفكيري بالأهرامات. أمرٌ يدعو للسخرية حقًا؛ فقد وقفتُ صباحًا أمام أحد أعاجيب الدنيا، لكن الذي أقلقني ليلًا كان قارورة صغيرة اعتدت أن أمسح بها وجهي قبل النوم. يبدو أن القلب له مقاييسه الخاصة التي لا تعترف بعظمة الملوك ولا بضخامة الأهرامات. كيف سأنام هذه الليلة بلا عطر الورد؟ ربما قارورة العطر التي اشتريتها من المصري يوم أمس ستنفعني… أقول ربما.
يتبع…