الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف الغريب (40)

← بواسطة azzaman

تطواف الغريب (40)

حسن النواب

 

لم‭ ‬تكن‭ ‬الأهرامات‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬إقامتنا،‭ ‬فوصلنا‭ ‬بحافلة‭ ‬صغيرة‭ ‬بعد‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬تقريبًا،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الزحام‭ ‬شديدًا‭ ‬عند‭ ‬بوابات‭ ‬الدخول،‭ ‬بينما‭ ‬قام‭ ‬المرشد‭ ‬السياحي‭ ‬محمود‭ ‬بإجراءات‭ ‬قطع‭ ‬التذاكر‭ ‬لنا‭. ‬دخلنا‭ ‬إلى‭ ‬صالة‭ ‬واسعة‭ ‬بسقف‭ ‬مرتفع،‭ ‬وكان‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬بحركة‭ ‬دؤوبة‭. ‬ولأن‭ ‬الكروب‭ ‬يضم‭ ‬بعض‭ ‬النسوة،‭ ‬فمن‭ ‬المؤكد‭ ‬أنهن‭ ‬سيطلبن‭ ‬الترويح‭ ‬عن‭ ‬أنفسهن‭ ‬في‭ ‬المرافق‭ ‬الصحية،‭ ‬وكنت‭ ‬مع‭ ‬صديقي‭ ‬إبراهيم‭ ‬سبتي‭ ‬نريد‭ ‬ذلك‭ ‬أيضًا‭ ‬لأننا‭ ‬نعاني‭ ‬من‭ ‬داء‭ ‬السكر‭ ‬المزمن‭. ‬يقولون‭: ‬تعرف‭ ‬البلد‭ ‬من‭ ‬نظافة‭ ‬مرافقه‭ ‬العامة،‭ ‬ولم‭ ‬يخب‭ ‬ظننا،‭ ‬إذ‭ ‬وجدنا‭ ‬المكان‭ ‬نظيفًا‭ ‬للغاية،‭ ‬برغم‭ ‬كثرة‭ ‬الداخلين‭ ‬إليه‭. ‬تركنا‭ ‬القاعة‭ ‬الفسيحة‭ ‬لنركب‭ ‬حافلة‭ ‬بالمجان‭ ‬نزلنا‭ ‬منها‭ ‬قرب‭ ‬الهرم‭ ‬الأكبر‭ ‬خوفو‭. ‬بدا‭ ‬أمام‭ ‬ناظري‭ ‬كملكٍ‭ ‬حجريٍّ‭ ‬هائلٍ‭ ‬جلس‭ ‬على‭ ‬عرش‭ ‬الصحراء‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬يراقب‭ ‬القادمين‭ ‬بصمته‭ ‬المهيب‭. ‬لكن‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬لفت‭ ‬نظري‭ ‬ليس‭ ‬ارتفاعه‭ ‬الشاهق،‭ ‬إنما‭ ‬حجم‭ ‬الحجارة‭ ‬الكلسية‭ ‬التي‭ ‬شُيّد‭ ‬منها‭. ‬كل‭ ‬حجرٍ‭ ‬يبلغ‭ ‬متوسط‭ ‬وزنه‭ ‬2‭.‬5‭ ‬طن،‭ ‬ويتم‭ ‬سحبه‭ ‬بواسطة‭ ‬حبال‭ ‬غليظة‭.‬‭ ‬كانت‭ ‬الحجارة‭ ‬الضخمة‭ ‬مرصوصة‭ ‬فوق‭ ‬بعضها‭ ‬كأنها‭ ‬صفحاتُ‭ ‬كتابٍ‭ ‬عملاقٍ‭ ‬دوّنت‭ ‬عليه‭ ‬معاناة‭ ‬الشغيلة‭ ‬الذين‭ ‬اشتركوا‭ ‬في‭ ‬بنائه‭. ‬سرحت‭ ‬بأفكاري‭ ‬بعيدًا،‭ ‬لأتخيّل‭ ‬عدد‭ ‬الضحايا‭ ‬الذين‭ ‬ساهموا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬هذه‭ ‬الأهرامات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا‭. ‬وتساءلت‭ ‬عن‭ ‬الجدوى‭ ‬من‭ ‬وجودها،‭ ‬وما‭ ‬فرقها‭ ‬عن‭ ‬الحكومات‭ ‬الدموية‭ ‬التي‭ ‬تفرّط‭ ‬بثروتها‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬العبثية‭ ‬وبناء‭ ‬مصانع‭ ‬الأسلحة‭. ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬استحوذ‭ ‬على‭ ‬خاطري‭ ‬الامتعاض،‭ ‬فأخبرت‭ ‬صديقي‭ ‬إبراهيم‭ ‬مهمومًا‭:‬

‭- ‬لو‭ ‬جمعت‭ ‬عدد‭ ‬الضحايا‭ ‬الذين‭ ‬ساهموا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الأهرامات،‭ ‬لكانت‭ ‬أكثر‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬منها‭.‬

فوجئ‭ ‬بكلامي‭ ‬ولبث‭ ‬ساهمًا‭ ‬لبرهة،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭:‬

‭- ‬يا‭ ‬لأفكارك‭ ‬الغريبة‭.‬

جلستُ‭ ‬قانطًا‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الرصيف‭ ‬قبالة‭ ‬هرم‭ ‬خوفو،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬العملاق‭ ‬الحجري‭ ‬ينتصب‭ ‬أمامي‭ ‬كقاضٍ‭ ‬صامتٍ‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬احتجاجاتي‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬جوابًا‭. ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬خلفي،‭ ‬في‭ ‬منحدرٍ‭ ‬قريب،‭ ‬مئات‭ ‬البعران‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬من‭ ‬يركبها‭ ‬مقابل‭ ‬مئة‭ ‬جنيه‭ ‬مصري‭. ‬كان‭ ‬الذين‭ ‬يمتلكونها‭ ‬يتوددون‭ ‬للسائحين‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬إقناعهم‭ ‬بركوب‭ ‬أباعرهم‭. ‬نجحوا‭ ‬بكسب‭ ‬عشرات‭ ‬الزبائن،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬مع‭ ‬صديقي‭ ‬من‭ ‬ضمنهم‭. ‬ركبنا‭ ‬حافلة‭ ‬أخرى‭ ‬بالمجان‭ ‬نقلتنا‭ ‬إلى‭ ‬مرتفع‭ ‬يطلُّ‭ ‬على‭ ‬تمثال‭ (‬أبو‭ ‬الهول‭). ‬كان‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تقطع‭ ‬مسافة‭ ‬طويلة‭ ‬سيرًا‭ ‬على‭ ‬الأقدام‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬قريبًا‭ ‬منه‭ ‬وتتفرج‭ ‬عليه‭ ‬عن‭ ‬كثب،‭ ‬وعلى‭ ‬براعة‭ ‬الفنان‭ ‬الذي‭ ‬أبدعه‭. ‬حثّني‭ ‬صديقي‭ ‬إبراهيم‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬لكنني‭ ‬اكتفيت‭ ‬بالنظر‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬والتقاط‭ ‬صورة‭ ‬معه‭. ‬تركنا‭ ‬الأهرامات،‭ ‬وصورة‭ ‬عناء‭ ‬وضنك‭ ‬الشغيلة‭ ‬الذين‭ ‬ساهموا‭ ‬في‭ ‬بنائها،‭ ‬وآلاف‭ ‬الضحايا‭ ‬منهم‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬خاطري‭. ‬ما‭ ‬فرقهم‭ ‬عن‭ ‬الجنود‭ ‬الذين‭ ‬قضوا‭ ‬نحبهم‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬مجانية؟‭ ‬ركبنا‭ ‬الحافلة‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬أخذتنا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬إلى‭ ‬مبنى‭ ‬صغير‭ ‬ينتج‭ ‬أنواع‭ ‬العطور‭. ‬استقبلتنا‭ ‬امرأة‭ ‬تفيض‭ ‬حيوية،‭ ‬وكانت‭ ‬كلماتها‭ ‬تتدفق‭ ‬كجدولٍ‭ ‬جبلي‭ ‬صافٍ‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬التلعثم‭ ‬أو‭ ‬التوقف،‭ ‬وتتكلم‭ ‬باللهجة‭ ‬العراقية،‭ ‬إذ‭ ‬تعود‭ ‬أصولها‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬كردية‭ ‬من‭ ‬شمال‭ ‬العراق‭. ‬عرفنا‭ ‬منها‭ ‬أنها‭ ‬تقيم‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬منذ‭ ‬ثلاثين‭ ‬عامًا‭. ‬كانت‭ ‬طريقتها‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬شائقة،‭ ‬وأقنعت‭ ‬معظم‭ ‬أفراد‭ ‬الكروب‭ ‬بشراء‭ ‬العطور‭ ‬الدهنية‭ ‬التي‭ ‬استُخرجت‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬أنواع‭ ‬الزهور‭. ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬أحتفظ‭ ‬بقارورة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬عطر‭ ‬الورد‭ ‬في‭ ‬جيبي،‭ ‬جلبها‭ ‬ولدي‭ ‬تبارك‭ ‬من‭ ‬دبي‭. ‬فعرضتها‭ ‬على‭ ‬سيدة‭ ‬العطور،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬شمّتها‭ ‬حتى‭ ‬أدركت‭ ‬أصالة‭ ‬العطر،‭ ‬لكن‭ ‬القارورة‭ ‬لم‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬جيبي،‭ ‬وكأنها‭ ‬وجدت‭ ‬قدرًا‭ ‬آخر‭ ‬لها؛‭ ‬إذ‭ ‬استنشقتها‭ ‬إحدى‭ ‬السيدات‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الكروب‭ ‬حتى‭ ‬أغرمت‭ ‬بها‭ ‬كما‭ ‬تتعلق‭ ‬طفلةٌ‭ ‬بلعبةٍ‭ ‬أحبّتها‭ ‬من‭ ‬النظرة‭ ‬الأولى،‭ ‬وطلبتها‭ ‬مني‭ ‬كذكرى‭. ‬فأكرمتها‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬رحابة‭ ‬صدر‭. ‬عند‭ ‬خروجنا‭ ‬من‭ ‬مبنى‭ ‬العطور،‭ ‬اقترب‭ ‬مني‭ ‬زوجها‭ ‬واعتذر‭ ‬على‭ ‬وقاحة‭ ‬زوجته‭ ‬حين‭ ‬طلبت‭ ‬مني‭ ‬قارورة‭ ‬عطر‭ ‬الورد‭. ‬فأجبته‭ ‬أني‭ ‬منحتها‭ ‬قارورة‭ ‬العطر‭ ‬عن‭ ‬طيب‭ ‬خاطر‭. ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬غير‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬إني‭ ‬اعتدت‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬مسح‭ ‬وجهي‭ ‬بذلك‭ ‬العطر‭ ‬قبل‭ ‬النوم،‭ ‬الذي‭ ‬يدعني‭ ‬أغفو‭ ‬خلال‭ ‬دقائق‭. ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭ ‬وأنا‭ ‬أفكر‭ ‬بعطر‭ ‬الورد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تفكيري‭ ‬بالأهرامات‭. ‬أمرٌ‭ ‬يدعو‭ ‬للسخرية‭ ‬حقًا؛‭ ‬فقد‭ ‬وقفتُ‭ ‬صباحًا‭ ‬أمام‭ ‬أحد‭ ‬أعاجيب‭ ‬الدنيا،‭ ‬لكن‭ ‬الذي‭ ‬أقلقني‭ ‬ليلًا‭ ‬كان‭ ‬قارورة‭ ‬صغيرة‭ ‬اعتدت‭ ‬أن‭ ‬أمسح‭ ‬بها‭ ‬وجهي‭ ‬قبل‭ ‬النوم‭. ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬القلب‭ ‬له‭ ‬مقاييسه‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بعظمة‭ ‬الملوك‭ ‬ولا‭ ‬بضخامة‭ ‬الأهرامات‭. ‬كيف‭ ‬سأنام‭ ‬هذه‭ ‬الليلة‭ ‬بلا‭ ‬عطر‭ ‬الورد؟‭ ‬ربما‭ ‬قارورة‭ ‬العطر‭ ‬التي‭ ‬اشتريتها‭ ‬من‭ ‬المصري‭ ‬يوم‭ ‬أمس‭ ‬ستنفعني‭… ‬أقول‭ ‬ربما‭.‬

يتبع‭…‬


مشاهدات 210
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/10/19 - 1:58 PM
آخر تحديث 2026/10/23 - 9:41 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 2058 الشهر 46327 الكلي 16631496
الوقت الآن
الجمعة 2026/10/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير