حسن النواب
مكثنا في كوالالمبور أربعة أيام. استرعى انتباهي شارعٌ يزدحم بالحانات، تتراصف على جانبيه مطارحُ المساج كأنها مصائدُ للإنهاك البشري. كانت تلك الأماكن تُغري السائح بالدخول لترويض جسده المتعب، من خلال كوكبةٍ من الصبايا اللائي تجمعن أمام بوابة كل محلّ، بملابس فاضحة ومكياجٍ يلمع على وجوههنّ كأن الضوء نفسه يتورّط في إغوائهنّ. كدتُ أتسلّل عن العائلة لأرى ماذا سيجري لجسدي مع إحداهنّ، غير أن نظرة زوجتي الصارمة نحوي أطفأت تلك الفكرة الشهية كما تُطفئ الريحُ جمرةً صغيرة. في منتصف ذلك الشارع طريقٌ جانبيّ بعرض ستة أمتار، اكتظت على جانبيه مطاعم صينية تبيع وجبات السمك المشوي والمقلي، إضافة إلى أصنافٍ أخرى من الطعام الآسيوي الذي لا تستهويه معدتي. كانت فاتورة مطعم صمد العراقي فاحشة بسعرها ليلة أمس، الأمر الذي دعانا إلى عدم دخوله مرة أخرى. على رصيف شارع الحانات رأينا منقلةً من الجمر تُشوى عليها أجنحة الدجاج، فتحمّست العائلة لتناول وجبة الغداء منها. كانت وجبةً شهية ورخيصة الثمن، يكاد سعرها لا يُرى أمام فواتير مطعم صمد. عرفتُ لاحقًا أن ذلك المطعم العراقي يرتاده السفراء والبعثات الدبلوماسية، وتُقام على موائده حفلات عشاء بأسعارٍ مخيفة. عندما حلّ المساء على كوالالمبور، تحوّلت الأرصفة إلى فرقٍ موسيقية شعبية، بين فرقةٍ وأخرى مئات الأمتار، وقد تجمع الناس حولها بزحامٍ يلفت النظر. وقفنا نتفرّج ونسمع صوت المغني الماليزي الذي يشبه رنينَ درهمٍ على قارعة الطريق، ثم انسحبنا بهدوء إلى الفندق. في الصباح اكترينا مركبة أجرة أخذتنا إلى حديقة الطيور التي كانت شبه فارغة من الزائرين، ثم إلى حديقة الفراشات. هنا ابتهج أبنائي وهم يلاحقون بأنظارهم أسراب الفراشات الملونة، بعضها يحطّ على رؤوسهم وأكتافهم كأنها تمنحهم بركات الطبيعة، بل إن ولدي الصغير مُزكّى غطّت الفراشاتُ ملابسه بالكامل. انتقلت بنا المركبة إلى طريقٍ تحفّه أشجار جوز الهند ودكاكين صغيرة. وبعد مضي ساعتين وصلنا إلى مدينة ملاكا التي أُدرجت في قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 2008 نظرًا لقيمتها التاريخية. ويُطلق عليها «فينيسيا الشرق» لأهميتها التجارية القديمة ونهرها الساحر. المدينة تعكس مزيجًا فريدًا من الثقافات والحصون البرتغالية والهولندية والبريطانية وثقافة البيرانكان. أبرز معالمها نهر ملاكا الذي يخترق وسط المدينة القديمة، وهناك المدينة الصينية (جاينا تاون) بشوارعها التراثية، وميدان هولندا الأحمر الشهير، إضافة إلى برجها الذي يلفت الأنظار من مسافة بعيدة. غير أن تلك المعالم التاريخية لم تجتذب العائلة بقدر ما استهوتهم عربات الكروب التي يجرّها حصانٌ يتهادى في أروقة المدينة، والقطار الكهربائي المعلّق الذي ينقلك عبر النهر إلى مدينةٍ ذكية على الطرف الآخر. مدينةٌ تحت الأرض بمواصفات تكنولوجية حديثة؛ حيث يحتوي مجمّعها التجاري في طوابقه السفلية على مجموعة من المطاعم العصرية والمقاهي التي تقدم الأكلات الماليزية والعالمية. رأينا تمثال روبوت ضخمًا بارتفاع خمسة أمتار، شبيهًا بشخصية «أوبتيموس برايم» من متحف الألعاب الشهير هناك، بالإضافة إلى مجسمات وتماثيل ثلاثية الأبعاد تفاعلية داخل المجمع وفي ساحاته. يحتوي الجزء الأرضي من هذا المجمع على حوض أسماك ضخم يمنحك شعورًا بأنك داخل مدينةٍ مائية تحت الأرض، حيث تنتشر تماثيل ومجسمات مائية وكائنات بحرية مضيئة في الظلام. هذه المدينة الذكية تمثل التناقض الجميل في ملاكا؛ فبينما كانت الضفة الأولى عبارة عن بيوتٍ تراثية وتاريخٍ قديم وعرباتٍ تجرها الخيول، وجدنا في الضفة الأخرى عبر القطار المعلّق مدينةً تصرخ بالحداثة وآخر صرعات التكنولوجيا. عندما ركبنا القطار المعلّق للعودة إلى الضفة التراثية، كانت الغابات من تحتنا تبدو ساحرة ومخيفة في آنٍ واحد. كنا نرتفع عنها بمئات الأمتار داخل قفصٍ بنوافذ زجاجية، وحدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ بدأت السماء تمطر بغزارة، ومن شدّة وابل المطر انعدمت الرؤية عبر القفص الزجاجي. توقف القفص عن الحركة فجأةً، وبقينا معلّقين في الهواء لأكثر من عشرين دقيقة، بينما شحبت وجوه العائلة من الرعب؛ كأن الخوف يسحب الدم من وجوههم قطرةً قطرة. بعد تضرعات زوجتي والأطفال إلى الله عادت الطاقة للقفص الزجاجي، لنصل أخيرًا إلى برّ الأمان. لكن مغامرة صعود القطار الكهربائي لن تتكرر معنا حتى لو كانت مجانًا.
يتبع…