الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطوافُ‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬36‭)‬

بواسطة azzaman

تطوافُ‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬36‭)‬

حسن‭ ‬النواب

 

مكثنا‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور‭ ‬أربعة‭ ‬أيام‭. ‬استرعى‭ ‬انتباهي‭ ‬شارعٌ‭ ‬يزدحم‭ ‬بالحانات،‭ ‬تتراصف‭ ‬على‭ ‬جانبيه‭ ‬مطارحُ‭ ‬المساج‭ ‬كأنها‭ ‬مصائدُ‭ ‬للإنهاك‭ ‬البشري‭. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الأماكن‭ ‬تُغري‭ ‬السائح‭ ‬بالدخول‭ ‬لترويض‭ ‬جسده‭ ‬المتعب،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كوكبةٍ‭ ‬من‭ ‬الصبايا‭ ‬اللائي‭ ‬تجمعن‭ ‬أمام‭ ‬بوابة‭ ‬كل‭ ‬محلّ،‭ ‬بملابس‭ ‬فاضحة‭ ‬ومكياجٍ‭ ‬يلمع‭ ‬على‭ ‬وجوههنّ‭ ‬كأن‭ ‬الضوء‭ ‬نفسه‭ ‬يتورّط‭ ‬في‭ ‬إغوائهنّ‭. ‬كدتُ‭ ‬أتسلّل‭ ‬عن‭ ‬العائلة‭ ‬لأرى‭ ‬ماذا‭ ‬سيجري‭ ‬لجسدي‭ ‬مع‭ ‬إحداهنّ،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نظرة‭ ‬زوجتي‭ ‬الصارمة‭ ‬نحوي‭ ‬أطفأت‭ ‬تلك‭ ‬الفكرة‭ ‬الشهية‭ ‬كما‭ ‬تُطفئ‭ ‬الريحُ‭ ‬جمرةً‭ ‬صغيرة‭. ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬ذلك‭ ‬الشارع‭ ‬طريقٌ‭ ‬جانبيّ‭ ‬بعرض‭ ‬ستة‭ ‬أمتار،‭ ‬اكتظت‭ ‬على‭ ‬جانبيه‭ ‬مطاعم‭ ‬صينية‭ ‬تبيع‭ ‬وجبات‭ ‬السمك‭ ‬المشوي‭ ‬والمقلي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أصنافٍ‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬الآسيوي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تستهويه‭ ‬معدتي‭. ‬كانت‭ ‬فاتورة‭ ‬مطعم‭ ‬صمد‭ ‬العراقي‭ ‬فاحشة‭ ‬بسعرها‭ ‬ليلة‭ ‬أمس،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دعانا‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬دخوله‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭. ‬على‭ ‬رصيف‭ ‬شارع‭ ‬الحانات‭ ‬رأينا‭ ‬منقلةً‭ ‬من‭ ‬الجمر‭ ‬تُشوى‭ ‬عليها‭ ‬أجنحة‭ ‬الدجاج،‭ ‬فتحمّست‭ ‬العائلة‭ ‬لتناول‭ ‬وجبة‭ ‬الغداء‭ ‬منها‭. ‬كانت‭ ‬وجبةً‭ ‬شهية‭ ‬ورخيصة‭ ‬الثمن،‭ ‬يكاد‭ ‬سعرها‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬أمام‭ ‬فواتير‭ ‬مطعم‭ ‬صمد‭. ‬عرفتُ‭ ‬لاحقًا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬المطعم‭ ‬العراقي‭ ‬يرتاده‭ ‬السفراء‭ ‬والبعثات‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬وتُقام‭ ‬على‭ ‬موائده‭ ‬حفلات‭ ‬عشاء‭ ‬بأسعارٍ‭ ‬مخيفة‭. ‬عندما‭ ‬حلّ‭ ‬المساء‭ ‬على‭ ‬كوالالمبور،‭ ‬تحوّلت‭ ‬الأرصفة‭ ‬إلى‭ ‬فرقٍ‭ ‬موسيقية‭ ‬شعبية،‭ ‬بين‭ ‬فرقةٍ‭ ‬وأخرى‭ ‬مئات‭ ‬الأمتار،‭ ‬وقد‭ ‬تجمع‭ ‬الناس‭ ‬حولها‭ ‬بزحامٍ‭ ‬يلفت‭ ‬النظر‭. ‬وقفنا‭ ‬نتفرّج‭ ‬ونسمع‭ ‬صوت‭ ‬المغني‭ ‬الماليزي‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬رنينَ‭ ‬درهمٍ‭ ‬على‭ ‬قارعة‭ ‬الطريق،‭ ‬ثم‭ ‬انسحبنا‭ ‬بهدوء‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭. ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬اكترينا‭ ‬مركبة‭ ‬أجرة‭ ‬أخذتنا‭ ‬إلى‭ ‬حديقة‭ ‬الطيور‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬شبه‭ ‬فارغة‭ ‬من‭ ‬الزائرين،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬حديقة‭ ‬الفراشات‭. ‬هنا‭ ‬ابتهج‭ ‬أبنائي‭ ‬وهم‭ ‬يلاحقون‭ ‬بأنظارهم‭ ‬أسراب‭ ‬الفراشات‭ ‬الملونة،‭ ‬بعضها‭ ‬يحطّ‭ ‬على‭ ‬رؤوسهم‭ ‬وأكتافهم‭ ‬كأنها‭ ‬تمنحهم‭ ‬بركات‭ ‬الطبيعة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬ولدي‭ ‬الصغير‭ ‬مُزكّى‭ ‬غطّت‭ ‬الفراشاتُ‭ ‬ملابسه‭ ‬بالكامل‭. ‬انتقلت‭ ‬بنا‭ ‬المركبة‭ ‬إلى‭ ‬طريقٍ‭ ‬تحفّه‭ ‬أشجار‭ ‬جوز‭ ‬الهند‭ ‬ودكاكين‭ ‬صغيرة‭. ‬وبعد‭ ‬مضي‭ ‬ساعتين‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬ملاكا‭ ‬التي‭ ‬أُدرجت‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬اليونسكو‭ ‬للتراث‭ ‬العالمي‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬نظرًا‭ ‬لقيمتها‭ ‬التاريخية‭. ‬ويُطلق‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬فينيسيا‭ ‬الشرق‮»‬‭ ‬لأهميتها‭ ‬التجارية‭ ‬القديمة‭ ‬ونهرها‭ ‬الساحر‭. ‬المدينة‭ ‬تعكس‭ ‬مزيجًا‭ ‬فريدًا‭ ‬من‭ ‬الثقافات‭ ‬والحصون‭ ‬البرتغالية‭ ‬والهولندية‭ ‬والبريطانية‭ ‬وثقافة‭ ‬البيرانكان‭. ‬أبرز‭ ‬معالمها‭ ‬نهر‭ ‬ملاكا‭ ‬الذي‭ ‬يخترق‭ ‬وسط‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة،‭ ‬وهناك‭ ‬المدينة‭ ‬الصينية‭ (‬جاينا‭ ‬تاون‭) ‬بشوارعها‭ ‬التراثية،‭ ‬وميدان‭ ‬هولندا‭ ‬الأحمر‭ ‬الشهير،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬برجها‭ ‬الذي‭ ‬يلفت‭ ‬الأنظار‭ ‬من‭ ‬مسافة‭ ‬بعيدة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المعالم‭ ‬التاريخية‭ ‬لم‭ ‬تجتذب‭ ‬العائلة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬استهوتهم‭ ‬عربات‭ ‬الكروب‭ ‬التي‭ ‬يجرّها‭ ‬حصانٌ‭ ‬يتهادى‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬المدينة،‭ ‬والقطار‭ ‬الكهربائي‭ ‬المعلّق‭ ‬الذي‭ ‬ينقلك‭ ‬عبر‭ ‬النهر‭ ‬إلى‭ ‬مدينةٍ‭ ‬ذكية‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭. ‬مدينةٌ‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬بمواصفات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬حديثة؛‭ ‬حيث‭ ‬يحتوي‭ ‬مجمّعها‭ ‬التجاري‭ ‬في‭ ‬طوابقه‭ ‬السفلية‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المطاعم‭ ‬العصرية‭ ‬والمقاهي‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬الأكلات‭ ‬الماليزية‭ ‬والعالمية‭. ‬رأينا‭ ‬تمثال‭ ‬روبوت‭ ‬ضخمًا‭ ‬بارتفاع‭ ‬خمسة‭ ‬أمتار،‭ ‬شبيهًا‭ ‬بشخصية‭ ‬‮«‬أوبتيموس‭ ‬برايم‮»‬‭ ‬من‭ ‬متحف‭ ‬الألعاب‭ ‬الشهير‭ ‬هناك،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مجسمات‭ ‬وتماثيل‭ ‬ثلاثية‭ ‬الأبعاد‭ ‬تفاعلية‭ ‬داخل‭ ‬المجمع‭ ‬وفي‭ ‬ساحاته‭. ‬يحتوي‭ ‬الجزء‭ ‬الأرضي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المجمع‭ ‬على‭ ‬حوض‭ ‬أسماك‭ ‬ضخم‭ ‬يمنحك‭ ‬شعورًا‭ ‬بأنك‭ ‬داخل‭ ‬مدينةٍ‭ ‬مائية‭ ‬تحت‭ ‬الأرض،‭ ‬حيث‭ ‬تنتشر‭ ‬تماثيل‭ ‬ومجسمات‭ ‬مائية‭ ‬وكائنات‭ ‬بحرية‭ ‬مضيئة‭ ‬في‭ ‬الظلام‭. ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬الذكية‭ ‬تمثل‭ ‬التناقض‭ ‬الجميل‭ ‬في‭ ‬ملاكا؛‭ ‬فبينما‭ ‬كانت‭ ‬الضفة‭ ‬الأولى‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬بيوتٍ‭ ‬تراثية‭ ‬وتاريخٍ‭ ‬قديم‭ ‬وعرباتٍ‭ ‬تجرها‭ ‬الخيول،‭ ‬وجدنا‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬عبر‭ ‬القطار‭ ‬المعلّق‭ ‬مدينةً‭ ‬تصرخ‭ ‬بالحداثة‭ ‬وآخر‭ ‬صرعات‭ ‬التكنولوجيا‭. ‬عندما‭ ‬ركبنا‭ ‬القطار‭ ‬المعلّق‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬التراثية،‭ ‬كانت‭ ‬الغابات‭ ‬من‭ ‬تحتنا‭ ‬تبدو‭ ‬ساحرة‭ ‬ومخيفة‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭. ‬كنا‭ ‬نرتفع‭ ‬عنها‭ ‬بمئات‭ ‬الأمتار‭ ‬داخل‭ ‬قفصٍ‭ ‬بنوافذ‭ ‬زجاجية،‭ ‬وحدث‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬الحسبان؛‭ ‬إذ‭ ‬بدأت‭ ‬السماء‭ ‬تمطر‭ ‬بغزارة،‭ ‬ومن‭ ‬شدّة‭ ‬وابل‭ ‬المطر‭ ‬انعدمت‭ ‬الرؤية‭ ‬عبر‭ ‬القفص‭ ‬الزجاجي‭. ‬توقف‭ ‬القفص‭ ‬عن‭ ‬الحركة‭ ‬فجأةً،‭ ‬وبقينا‭ ‬معلّقين‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬دقيقة،‭ ‬بينما‭ ‬شحبت‭ ‬وجوه‭ ‬العائلة‭ ‬من‭ ‬الرعب؛‭ ‬كأن‭ ‬الخوف‭ ‬يسحب‭ ‬الدم‭ ‬من‭ ‬وجوههم‭ ‬قطرةً‭ ‬قطرة‭. ‬بعد‭ ‬تضرعات‭ ‬زوجتي‭ ‬والأطفال‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬عادت‭ ‬الطاقة‭ ‬للقفص‭ ‬الزجاجي،‭ ‬لنصل‭ ‬أخيرًا‭ ‬إلى‭ ‬برّ‭ ‬الأمان‭. ‬لكن‭ ‬مغامرة‭ ‬صعود‭ ‬القطار‭ ‬الكهربائي‭ ‬لن‭ ‬تتكرر‭ ‬معنا‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬مجانًا‭.‬

يتبع‭…‬

 


مشاهدات 14
الكاتب حسن‭ ‬النواب
أضيف 2026/09/14 - 1:45 PM
آخر تحديث 2026/09/15 - 12:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 131 الشهر 24261 الكلي 16556781
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير