حسن النواب
في مساء اليوم الثالث في بانكوك اكترينا تاكسي بحثًا عن سوار فضي لساعدي الأيمن. تايلند معروفة بصناعتها المتينة للخواتم والأساور الفضية. سارت بنا المركبة في شارع غارق بالأنوار الذهبية. لفت نظرنا مجاميع الصبايا التي لا تتجاوز أعمارهنّ الخمسة عشر عامًا. كنَّ كحوريات هبطن سهوًا من الجنة. لم تكد الطفولة تغادر ملامحهنّ، يجلسن في صفوفٍ منتظمة كأنهن زهورٌ اقتُلعت من حدائقها ووُضعت خلف واجهات العرض. يجلسن بفساتينهن البيضاء كأسراب حمامٍ تائهة حطّت على أرصفة مدينة لا تعرف الرحمة. أمام كل متجر للنخاسة تجلس كوكبة من الصبايا بزينتهنَّ التي تخطف الأبصار، كأننا في سوق من العصر الجاهلي لبيع الجواري. سألت السائق الذي كان يفهم الإنجليزية عن هذه المجاميع من الصبايا بعمر الورد، فأجابني أنهنَّ للمداعبة الجنسية وليس لقضاء وطرٍ معهنَّ مقابل مئة دولار في الساعة الواحدة. ثم أردف: كثيرٌ من الكهول الأستراليين تجدهم هنا. ترك المشهد في نفسي غصّةً مريرة، فقد بدا الشارع كأنه طاحونة تلتهم أعمار الصغيرات وتحولها إلى أوراق نقدية. لقد أحزنتني تلك المتاجرة الرخيصة بتلك الصبايا البريئات، ولكن يبدو أن متاجر الرقيق التي انتشرت في ذلك الشارع كانت تحصل على أموال مغرية مقابل تزجية ساعة من الوقت مع صبية كأنها حورية هبطت من الفردوس. تعكر مزاجي لأطلب من السائق العودة بنا إلى سوق العرب. حين هبطنا من المركبة اهتزت مشاعرنا ونحن نسمع أذان العشاء يتردد من منارةٍ قريبة، فبدا الصوت كجدول ماءٍ عذبٍ ينساب وسط صحراء من الضجيج والإغواء. فعجبت لهذا التناقض بين شارع صبايا الرقيق وهذا المكان. عند الصباح جاءت مركبة أخرى لتأخذنا إلى مطار محلي نركب منه الطائرة إلى بوكيت. غير أن السائق أخذنا إلى المطار الرئيسي بالخطأ. ولم يكن أمامنا سوى ساعة واحدة عن موعد الطائرة. اتصلت بالأخ الكردي دلشاد الذي حجز لنا تذاكر الطائرة والفندق في بوكيت. طمأنني وأخبرني أن مركبة أجرة ستصل إلينا على وجه السرعة. ومن حسن الحظ وصلنا إلى المطار المحلي قبل إقلاع الطائرة بدقائق. بعد ساعة ونصف هبطنا في مطار بوكيت. وجدنا مركبة أخرى بانتظارنا حملتنا إلى الفندق الذي كان في مركز المدينة. أخذنا القيلولة وتركنا الفندق عند المساء إلى شارع جهنم الذي كان يتدفق بالبشر كأنه نهرٌ هائج من اللغات والألوان والرغبات. بل بدا يتوهج في تلك الليلة كجمرةٍ عملاقة لا تنطفئ. لقد صدمنا بالملاهي التي تتاجر باللحم الأنثوي علنًا. كانت الفتيات يقفن فوق المنصات المضيئة كتماثيل عارية، فيما تسطع الأضواء وصخب الموسيقى حولهنّ لجذب الزبائن كما تتسابق شباك الصيد إلى أسر الأسماك الشهيّة. كان كل ملهى يتفنن بعرض بضاعته من النساء، حاولت تصويرهن لكن إحداهن هبطت من المنصة وطلبت مني إيقاف التصوير ومسح ما صورته، فاستجبت لها عن طيب خاطر قبل أن تتطور المشكلة. تناولنا المندي في مطعم يمني وعدنا إلى الفندق. لكن شارع جهنم ظل يتوهج في ذهني كجرحٍ مضاء، لا بسبب أضوائه الصاخبة، بل بسبب ما يكشفه من وجوهٍ وأسرارٍ خفية للعالم، لا أظن أن هناك شارعًا في أصقاع الدنيا يشبهه في المجون والإغراء. لكن صباح اليوم التالي كان مختلفًا. حملتنا مركبة إلى الساحل ومن هناك ركبنا زورقًا صغيرًا أخذنا بجولة بحرية كانت في منتهى الجمال والسحر. جزرٌ متناثرة أبدع الخالق في توزيعها على صدر البحر. رأينا الأسماك الملونة التي أحاطت بالزورق حين نثرنا الطعام إليها، ودخلنا كهفًا كان جدرانه مغطاة بآلاف الخفافيش النائمة. كادت نبضات قلوبنا تتوقف من الخوف غير أن صاحب الزورق هدّأ روعنا مؤكدًا أن تلك الخفافيش اعتادت على مرور السائحين منذ سنوات بعيدة ولم تؤذ أحدًا منهم. في اليوم الأخير لنا في مدينة بوكيت صعدنا على ظهر الفيلة التي تسلقت بنا التلال العالية، وحين سقطت نظارتي، التقطها خرطوم الفيل الذي كنت على ظهره وأعادها لي بمشهد لن يبرح ذاكرتي إلى الأبد. عدنا إلى بانكوك وفي نفسي رغبة شراء سوارٍ فضيٍّ لمعصمي قبل عودتنا إلى بيرث. ولم أجد السوار الفضي الذي كنت أبحث عنه إلا عند بائع تايلندي يعرض بضاعته من الإكسسوارات على الرصيف. وضعت السوار في ساعدي الأيمن كذكرى جميلة عن بانكوك التي تستحق العودة إلى زيارتها عشرات المرات. يتبع…