الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬38‭)‬

← بواسطة azzaman

تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬38‭)‬

حسن‭ ‬النواب‭  ‬

 

في‭ ‬مساء‭ ‬اليوم‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬بانكوك‭ ‬اكترينا‭ ‬تاكسي‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬سوار‭ ‬فضي‭ ‬لساعدي‭ ‬الأيمن‭. ‬تايلند‭ ‬معروفة‭ ‬بصناعتها‭ ‬المتينة‭ ‬للخواتم‭ ‬والأساور‭ ‬الفضية‭. ‬سارت‭ ‬بنا‭ ‬المركبة‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬غارق‭ ‬بالأنوار‭ ‬الذهبية‭. ‬لفت‭ ‬نظرنا‭ ‬مجاميع‭ ‬الصبايا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬أعمارهنّ‭ ‬الخمسة‭ ‬عشر‭ ‬عامًا‭. ‬كنَّ‭ ‬كحوريات‭ ‬هبطن‭ ‬سهوًا‭ ‬من‭ ‬الجنة‭. ‬لم‭ ‬تكد‭ ‬الطفولة‭ ‬تغادر‭ ‬ملامحهنّ،‭ ‬يجلسن‭ ‬في‭ ‬صفوفٍ‭ ‬منتظمة‭ ‬كأنهن‭ ‬زهورٌ‭ ‬اقتُلعت‭ ‬من‭ ‬حدائقها‭ ‬ووُضعت‭ ‬خلف‭ ‬واجهات‭ ‬العرض‭. ‬يجلسن‭ ‬بفساتينهن‭ ‬البيضاء‭ ‬كأسراب‭ ‬حمامٍ‭ ‬تائهة‭ ‬حطّت‭ ‬على‭ ‬أرصفة‭ ‬مدينة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الرحمة‭. ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬متجر‭ ‬للنخاسة‭ ‬تجلس‭ ‬كوكبة‭ ‬من‭ ‬الصبايا‭ ‬بزينتهنَّ‭ ‬التي‭ ‬تخطف‭ ‬الأبصار،‭ ‬كأننا‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬من‭ ‬العصر‭ ‬الجاهلي‭ ‬لبيع‭ ‬الجواري‭. ‬سألت‭ ‬السائق‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يفهم‭ ‬الإنجليزية‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المجاميع‭ ‬من‭ ‬الصبايا‭ ‬بعمر‭ ‬الورد،‭ ‬فأجابني‭ ‬أنهنَّ‭ ‬للمداعبة‭ ‬الجنسية‭ ‬وليس‭ ‬لقضاء‭ ‬وطرٍ‭ ‬معهنَّ‭ ‬مقابل‭ ‬مئة‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬الواحدة‭. ‬ثم‭ ‬أردف‭: ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬الكهول‭ ‬الأستراليين‭ ‬تجدهم‭ ‬هنا‭. ‬ترك‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬غصّةً‭ ‬مريرة،‭ ‬فقد‭ ‬بدا‭ ‬الشارع‭ ‬كأنه‭ ‬طاحونة‭ ‬تلتهم‭ ‬أعمار‭ ‬الصغيرات‭ ‬وتحولها‭ ‬إلى‭ ‬أوراق‭ ‬نقدية‭. ‬لقد‭ ‬أحزنتني‭ ‬تلك‭ ‬المتاجرة‭ ‬الرخيصة‭ ‬بتلك‭ ‬الصبايا‭ ‬البريئات،‭ ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬متاجر‭ ‬الرقيق‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الشارع‭ ‬كانت‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬مغرية‭ ‬مقابل‭ ‬تزجية‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬مع‭ ‬صبية‭ ‬كأنها‭ ‬حورية‭ ‬هبطت‭ ‬من‭ ‬الفردوس‭. ‬تعكر‭ ‬مزاجي‭ ‬لأطلب‭ ‬من‭ ‬السائق‭ ‬العودة‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العرب‭. ‬حين‭ ‬هبطنا‭ ‬من‭ ‬المركبة‭ ‬اهتزت‭ ‬مشاعرنا‭ ‬ونحن‭ ‬نسمع‭ ‬أذان‭ ‬العشاء‭ ‬يتردد‭ ‬من‭ ‬منارةٍ‭ ‬قريبة،‭ ‬فبدا‭ ‬الصوت‭ ‬كجدول‭ ‬ماءٍ‭ ‬عذبٍ‭ ‬ينساب‭ ‬وسط‭ ‬صحراء‭ ‬من‭ ‬الضجيج‭ ‬والإغواء‭. ‬فعجبت‭ ‬لهذا‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬شارع‭ ‬صبايا‭ ‬الرقيق‭ ‬وهذا‭ ‬المكان‭. ‬عند‭ ‬الصباح‭ ‬جاءت‭ ‬مركبة‭ ‬أخرى‭ ‬لتأخذنا‭ ‬إلى‭ ‬مطار‭ ‬محلي‭ ‬نركب‭ ‬منه‭ ‬الطائرة‭ ‬إلى‭ ‬بوكيت‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬السائق‭ ‬أخذنا‭ ‬إلى‭ ‬المطار‭ ‬الرئيسي‭ ‬بالخطأ‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أمامنا‭ ‬سوى‭ ‬ساعة‭ ‬واحدة‭ ‬عن‭ ‬موعد‭ ‬الطائرة‭. ‬اتصلت‭ ‬بالأخ‭ ‬الكردي‭ ‬دلشاد‭ ‬الذي‭ ‬حجز‭ ‬لنا‭ ‬تذاكر‭ ‬الطائرة‭ ‬والفندق‭ ‬في‭ ‬بوكيت‭. ‬طمأنني‭ ‬وأخبرني‭ ‬أن‭ ‬مركبة‭ ‬أجرة‭ ‬ستصل‭ ‬إلينا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬السرعة‭. ‬ومن‭ ‬حسن‭ ‬الحظ‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬المطار‭ ‬المحلي‭ ‬قبل‭ ‬إقلاع‭ ‬الطائرة‭ ‬بدقائق‭. ‬بعد‭ ‬ساعة‭ ‬ونصف‭ ‬هبطنا‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬بوكيت‭. ‬وجدنا‭ ‬مركبة‭ ‬أخرى‭ ‬بانتظارنا‭ ‬حملتنا‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬المدينة‭. ‬أخذنا‭ ‬القيلولة‭ ‬وتركنا‭ ‬الفندق‭ ‬عند‭ ‬المساء‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬جهنم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتدفق‭ ‬بالبشر‭ ‬كأنه‭ ‬نهرٌ‭ ‬هائج‭ ‬من‭ ‬اللغات‭ ‬والألوان‭ ‬والرغبات‭. ‬بل‭ ‬بدا‭ ‬يتوهج‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬كجمرةٍ‭ ‬عملاقة‭ ‬لا‭ ‬تنطفئ‭. ‬لقد‭ ‬صدمنا‭ ‬بالملاهي‭ ‬التي‭ ‬تتاجر‭ ‬باللحم‭ ‬الأنثوي‭ ‬علنًا‭. ‬كانت‭ ‬الفتيات‭ ‬يقفن‭ ‬فوق‭ ‬المنصات‭ ‬المضيئة‭ ‬كتماثيل‭ ‬عارية،‭ ‬فيما‭ ‬تسطع‭ ‬الأضواء‭ ‬وصخب‭ ‬الموسيقى‭ ‬حولهنّ‭ ‬لجذب‭ ‬الزبائن‭ ‬كما‭ ‬تتسابق‭ ‬شباك‭ ‬الصيد‭ ‬إلى‭ ‬أسر‭ ‬الأسماك‭ ‬الشهيّة‭. ‬كان‭ ‬كل‭ ‬ملهى‭ ‬يتفنن‭ ‬بعرض‭ ‬بضاعته‭ ‬من‭ ‬النساء،‭ ‬حاولت‭ ‬تصويرهن‭ ‬لكن‭ ‬إحداهن‭ ‬هبطت‭ ‬من‭ ‬المنصة‭ ‬وطلبت‭ ‬مني‭ ‬إيقاف‭ ‬التصوير‭ ‬ومسح‭ ‬ما‭ ‬صورته،‭ ‬فاستجبت‭ ‬لها‭ ‬عن‭ ‬طيب‭ ‬خاطر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتطور‭ ‬المشكلة‭. ‬تناولنا‭ ‬المندي‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬يمني‭ ‬وعدنا‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭. ‬لكن‭ ‬شارع‭ ‬جهنم‭ ‬ظل‭ ‬يتوهج‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬كجرحٍ‭ ‬مضاء،‭ ‬لا‭ ‬بسبب‭ ‬أضوائه‭ ‬الصاخبة،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬يكشفه‭ ‬من‭ ‬وجوهٍ‭ ‬وأسرارٍ‭ ‬خفية‭ ‬للعالم،‭ ‬لا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬شارعًا‭ ‬في‭ ‬أصقاع‭ ‬الدنيا‭ ‬يشبهه‭ ‬في‭ ‬المجون‭ ‬والإغراء‭. ‬لكن‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬كان‭ ‬مختلفًا‭. ‬حملتنا‭ ‬مركبة‭ ‬إلى‭ ‬الساحل‭ ‬ومن‭ ‬هناك‭ ‬ركبنا‭ ‬زورقًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬أخذنا‭ ‬بجولة‭ ‬بحرية‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الجمال‭ ‬والسحر‭. ‬جزرٌ‭ ‬متناثرة‭ ‬أبدع‭ ‬الخالق‭ ‬في‭ ‬توزيعها‭ ‬على‭ ‬صدر‭ ‬البحر‭. ‬رأينا‭ ‬الأسماك‭ ‬الملونة‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬بالزورق‭ ‬حين‭ ‬نثرنا‭ ‬الطعام‭ ‬إليها،‭ ‬ودخلنا‭ ‬كهفًا‭ ‬كان‭ ‬جدرانه‭ ‬مغطاة‭ ‬بآلاف‭ ‬الخفافيش‭ ‬النائمة‭. ‬كادت‭ ‬نبضات‭ ‬قلوبنا‭ ‬تتوقف‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬صاحب‭ ‬الزورق‭ ‬هدّأ‭ ‬روعنا‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الخفافيش‭ ‬اعتادت‭ ‬على‭ ‬مرور‭ ‬السائحين‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬بعيدة‭ ‬ولم‭ ‬تؤذ‭ ‬أحدًا‭ ‬منهم‭. ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الأخير‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بوكيت‭ ‬صعدنا‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬الفيلة‭ ‬التي‭ ‬تسلقت‭ ‬بنا‭ ‬التلال‭ ‬العالية،‭ ‬وحين‭ ‬سقطت‭ ‬نظارتي،‭ ‬التقطها‭ ‬خرطوم‭ ‬الفيل‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬على‭ ‬ظهره‭ ‬وأعادها‭ ‬لي‭ ‬بمشهد‭ ‬لن‭ ‬يبرح‭ ‬ذاكرتي‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬بانكوك‭ ‬وفي‭ ‬نفسي‭ ‬رغبة‭ ‬شراء‭ ‬سوارٍ‭ ‬فضيٍّ‭ ‬لمعصمي‭ ‬قبل‭ ‬عودتنا‭ ‬إلى‭ ‬بيرث‭. ‬ولم‭ ‬أجد‭ ‬السوار‭ ‬الفضي‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أبحث‭ ‬عنه‭ ‬إلا‭ ‬عند‭ ‬بائع‭ ‬تايلندي‭ ‬يعرض‭ ‬بضاعته‭ ‬من‭ ‬الإكسسوارات‭ ‬على‭ ‬الرصيف‭. ‬وضعت‭ ‬السوار‭ ‬في‭ ‬ساعدي‭ ‬الأيمن‭ ‬كذكرى‭ ‬جميلة‭ ‬عن‭ ‬بانكوك‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬زيارتها‭ ‬عشرات‭ ‬المرات‭.  ‬يتبع‭…‬

 


مشاهدات 20
الكاتب حسن‭ ‬النواب‭  ‬
أضيف 2026/09/28 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 2:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 198 الشهر 49308 الكلي 16581828
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير