الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فيروز الأم الحزينة .. صمتها صلاة وصبرها وقار

بواسطة azzaman

همسات ساخنة .. ومضات هادئة

فيروز الأم الحزينة .. صمتها صلاة وصبرها وقار

لويس إقليمس

 

منذ أسابيع، تناقلت مختلف وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات والصحف المحلية والعربية والعالمية مراسم جنازة «زياد الرحباني» فنّان لبنان والوطن العربي والعالم، الكبير بكارزميته الفنية والفكرية والثقافية، بكثيرٍ من الحسرة والألم في مشهدٍ مأساوي وهو يتوارى أمام أعينِ والدته الثكلى وشقيقته وذويه ومختلف طبقات الشعب اللبناني والعالم. ومع فداحة المشهد ومأساة الخسارة الجسيمة لفقدان واحدٍ من أعمدة الفنّ والفكر والموسيقى والرأي الحرّ رغم يساريتِه الملحوظة في التعبير والإبداع وسخريته من المشهد القدري لواقع الإنسان، فقد تقاطعت وجهات النظر بشأن شخصيته الجدلية المليئة ألغازًا ومعاني ومتاهات. فهو المظلومُ مثل أمثالهِ ممّن لم يستطيعوا إكمالَ مشوار حياتهم كما ينبغي، بظلمِ الأقدار التي لم تمنحهُ فرصًا حقيقية ومتناغمة مع حقِّه براحة النفس والجسد والعاطفة والحبّ والأبوّة الصحيحة. فسقطَ صريعَ المرض الذي لم يرحمه، فاختارَ مفارقةَ الحياة يوم السبت الموافق 26 تموز 2025 بعد يأسٍ منها ومِن مصيره وقدَرهِ تعبيرًا صريحًا عن خيبة أمالهِ المنكسرة على صخرة التحدّي والرفض بالكلمة الحرّة والفكر الناضج

بفقدانه وتواريه عن مشهد الحياة مبكرًا وهو مبتلىً بأزمات جسدية ونفسية وعاطفية، يكون قد زاد من فاجعة والدته الحزينة وهي صامدة صامتة كحجر الصوّان لا تقوى على بكائه بعيون محتجَباتٍ خلف نظاراتٍ سوداء تنقل مشاهد الحزن والألم والوجع رغمًا عنها. موقفٌ لا تُحسدُ عليه رَسَمَ صمتَها  عبر صلاة صامتة صابرة ممّا زادَ من وقارِها الطبيعي وقارًا مضافًا محسوبًا بميزانٍ فوق بشريّ. فيما سكوتُها بانَ متناغمًا مع ستار كثيفٍ في استراق النظر والتحديق بالمعزّين وهي تحبس الدموع التي أبت أن تخرجَ من مآقيها في استقبال مواساة كبار القوم من داخل الوطن وخارجه، حكوماتٍ وشعوبًا وشخصياتٍ من مختلف طبقات المجتمع الذين أبوا إلاّ أن يكملوا واجب العزاء للتعبير عن الحزن العميق والتعاطف مع سيدة وملكة لبنان وأيقونته الفنيّة والمجتمعية والوطنية ألتي استحقت كلَّ الألقاب والأوصاف بلا منازع في هذا الظرف العصيب. لا عويلٌ سافرٌ، لا بكاءٌ عربديّ، لا تطيينٌ خرافيّ، لا لطمٌ متخلّف، لا صراخٌ استصغاريٌ، لا استجداءٌ هزليٌ، بل وقارٌ محترم وصمتٌ ملائكيّ ونظراتٌ شاخصات مقتدرات كتلك التي في جعبة العظماء وهي تحكي قوّة إرادتها وتنشر صدى عزيمتها كأمٍّ تعرفُ قدرَها وتوقّرُ حضور المعزّين، وما أكثرهم وكأنّ لبنان بأسره تسابقَ لتقديم فروض العزاء لسيدة الصوت الملائكي الشجيّ التي طالما أطربت العالم وماتزال كلّ صباح ومساء معتمرةً في ذات الذاكرة التي لن يطويها النسيان. وأنا ومَن مثلي، لا نملك غير كلمات العزاء والدعاء والترحّم المكتوبة والمنشورة لأيقونة الغناء العربي بفقدان فلذة كبدها الذي فارقها، وليسَ مثلَ بعض ناقصي الفكر والعقل والضمير ومدّعي الدّين من أمثال مَن يرفض الترحّم على الأموات للأسباب التي ينطلق منها في مرضِه وضعفه وعوقِه الديني والفكري والمجتمعي الضيّق. وهذا ما لا يقبلُ به اليوم أصحّاءُ الإنسانية ومريدوها وروّادها والدعاة لسيادة هذه الرؤية المنفتحة على العالم والمجتمعات والأمم بغضّ النظر عن خصوصيات الدين والمذهب والطائفة واللون والعرق.

زياد «فلتة» الظرف وقَدَرُ الوطن  

«زياد رحباني» الفنان الموهوب بموسيقاه الجميلة وبفنّه الزاخر دائمًا وبأسلوبه الراقي الساخر غالبًا، مجتمعًا مع والدته «فيروز» أيقونة لبنان والشرق، بهم وبمَن سار ويسيرُ على خطهما الوطني وحبهما النقيّ الصافي للبنان وشعبه وبفنّهما الراقيّ المعبّر، تباهى وسوف يظلُّ يتباهى بهما وطنُ الأرز وترابُه ومعهم كلّ الطيبين من حاملي مشعل السلام وشعار الأخوّة الإنسانية وحبّ الوطن بلا مقدار ولا حدود بفضل ما قدّماه في مسيرتهما الفنية الطويلة المصقولة بموهبة عائلة الرحابنة.

وعمومًا، إنْ تخالفتْ بعضُ الاراء الشاذّة الناقدة لمشهد الأمّ المكلومة بوفاة فلذة كبدها وهو مضطجعٌ في نعشِه في صمتٍ أبديٍّ حزين، فذلك هو الشذوذ والغيرة والحسد بعين العقلاء والمنصفين. فالمحبون والمغرضون والحاسدون سواءً بسواء وبلا عتاب، ما عليهم سوى تذكّر ما سطّرته محطات الأم ونجلها وزوجها الراحل وعموم عائلة الرحابنة على مدى سنوات ناجحات من الفنّ الراقي الذي لا يقبل القدح أو الذمّ أو النقد الذي لا مبرّرَ له تحت أية ذريعة ضعيفة يرفضُها العقل البشري الراجح. فقد عُرف «زياد» رائدًا للموسيقى الشجية الإبداعية ومولعًا بالمسرح الساخر الناقد لمحطات الوطن والمجتمع، وحاملًا لمشعل التيار اليساري في فكره وروحه وعزيمته وقدرتِه على التفاعل مع الأحداث والأقدار بالرغم من قساوة هذه الأخيرة على قلبه الطافح حبًّا لمَن عرَفهُ. حتى العاشقة الولهانة بحبّه وهيامها بشخصه «كارمن لبُس» لم تتحمّل وجع فقدان حبيبها رغم افتراقهما من سنواتٍ، لكنّها ظلّت حبيسة حبّها الكبير لشخصيته واحترامها له بالرغم من فشله العاطفي معها. فكبدُه المثخن بجراحات الحبّ الفاشل وانحسار العواطف التي آلمَها فراقُ الحبيب في محطات يائسات ظالمات وغير منصفات لم يقوى على حملها لوحده فسقطَ من صهوة جواده بعد يأسٍ كاسرٍ بصحته لم يرحمه أو يرحم جسدَه الضعيف

فنان ومفكر

غادرنا «زياد» الإنسان والفنان والمفكر والمثقف الناضج مظلومًا من القدَرِ الذي لم يرحمه، ومجروحًا من قدرة الخالق التي لم تنصفهُ على السواء. أهكذا يكون الظلمُ في بعض خليقتك يا ربّ الخليقة؟ تُخلقُ شخوصٌ وأدواتٌ مترعاتٌ متعًا وثرواتٍ وفواحش وأشكالَ فسادٍ في الأرض والعرض والمال والبنين، وتُخيَّبُ خلائقُ بريئاتُ النفس والقلب والإرادة ومعدوماتُ الطموح والترف والسيادة لتبقى حبيسة دائرة الحزن والوجع والكمد!؟! لكن، هكذا تسير الحياة أحيانًا بعكس اتجاهها المأمول في رأي بعض أبرياء الفكر والحكمة والنخوة.

أمّا عزاءُ «فيروز» الأمّ والإنسانة، فربما يكون قد ناله شيءٌ من التخفيف عن الوجع الأموميّ الباطنيّ بالتعويض الجزئيّ عن فداحة الخسارة متمثلاً بجموع المعزّين من جميع طبقات الشعب من ساسة ومسؤولين وفنانين وأهل طرب وغيرهم من المتعاطفين معها ومع نجلها الراحل بإسباغ هالةٍ من الشموخ والكبرياء والاحترام التي نالتها جنازة الإبن. وهي تستحق منّا جميعًا هذا التقديروالاحترام والتعاطف شخصيًا وإنسانيًا ومحليًا وعالميًا.

ويكفي اعتيادُ الكثير من أصحاب الذوق الرفيع كلّ صباح الاستيقاظَ على حلاوة صوتها الملائكي الشجيّ أو التمسّي بأغانيها مختلفة الألوان والألحان أو سماع تراتيلها الدينية الشجية وبعضُها من تأليف وتلحين ابنها المبدع شبلِ الرحابنة العظماء في الابداع الموسيقي والمسرحي طيلة مسيرتهم الفنية البارزة! رحمه الله «زياد» الإبن عبقرية الفنّ و»فلتة» الموسيقى الراقية الذي عاشَ منذ شبابِه عونًا وعزاءً لوالدته الحزينة وعائلته، كلماتٍ ولحنًا وأداءً.

كلمة أخيرة وصادقة بحق الراحل «زياد» رائد الفنّ الموسيقي والمسرحي الراقي حين تكريمه سياسيًا من رئاسة الجمهورية بوسام الأرز الوطني من رتبة كوماندر يوم جنازته، ولاحقًا من قبل مجلس الوزراء اللبناني بإطلاق اسمه على أحد الشوارع الممتدة إلى جادة المطار.

وفي اعتقادي، كلّ مَن عرفَ وتأثّرَ بحياة الراحل «زياد» وبمشهد والدته يوم مواراته الثرى، يمكن أن يتعلّمَ منها أرقى دروس الوقار واحترام الذات وروعة الفنّ وإدارة العلاقات العائلية والعامة.

فالحزن في المصاب الجلَل، والوجع الدفين في خسارة إنسان، مهما كان قدره وقيمتُه وواقعُه ودينُه ومذهبُه ليس بالعويل واللطم والصراخ والتطيين والتتريب والتطبير لحدّ الخروج عن المقبول إلى حدود التخريف واجترار البدع، بل بالصبر الأيوبيّ على المصيبة وبإعمال الحكمة والعقل والاتسام بالوقار والاتكال على إرادة الخالق في مرافقة أشكال الألم والحزن والوجع في ساعات الفراق. رحمك الله يا «فلتة» الفنّ في زمن قساوة الأقدار وضياع القيم وسيادة التفاهات على الراقيات في كلّ شيء وأيّ  شيء.


مشاهدات 51
الكاتب لويس إقليمس
أضيف 2025/08/30 - 1:41 AM
آخر تحديث 2025/08/30 - 3:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 167 الشهر 21444 الكلي 11416530
الوقت الآن
السبت 2025/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير