الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ماذا يبقى بعد الضجيج؟

← بواسطة azzaman

ماذا يبقى بعد الضجيج؟

  عبدالكريم الحلو

 

اِحْتَقِرْ… وَاعْبُرْ… وَاسْتَمِرّْ  .......( كونفوشيوس )

 

في المشهد الأدبي العربي ، كما في كل مشهد تتقاطع فيه الموهبة مع المصالح، ثمة من يكتب النص، وثمة من يكتب موقعه في المشهد؛ وثمة من لا يملك مشروعاً أدبياً واضحاً، فيحاول أن يصنع لنفسه مشروعاً من عرقلة مشاريع الآخرين.

 

"  وهؤلاء لا يخيفونني  "

 

فالذي يعجز عن منافسة الفكرة،

يبحث عن صاحبها.

 

والذي لا يستطيع تفكيك المشروع،

يحاول تشويه صاحبه.

 

والذي لا يملك جواباً على السؤال النقدي، يلجأ إلى الإشاعة، أو التأويل المريض، أو صناعة الضجيج حول ما لا يستطيع مواجهته بالحجة.

 

وهنا تبدأ اللعبة القديمة نفسها:

افتعال الخصومة، اجتزاء الكلام، توزيع التهم، استدعاء العلاقات، وتشكيل دوائر صغيرة تتبادل التصفيق، ثم تقديم ذلك كله بوصفه «مشهدًا ثقافياً».

 

"  يا لها من مفارقة ! "

 

بعض الذين يتحدثون كثيراً عن الأخلاق الأدبية لا يتذكرونها إلا عندما تخدم مواقعهم .

 

وبعض الذين يرفعون راية النقد لا يمارسون منه إلا الجزء الذي يطال الآخرين، أما حين تقترب المرآة منهم، تتحول المرآة فجأة إلى «إساءة »  ! .

 

المشكلة ليست في النقد

بل في أولئك الذين يريدون نقداً

باتجاه واحد  :

أنت تنتقدهم،

ولا يحق لأحد أن ينتقدك.

 

أنت تسأل،

ولا يجوز لأحد أن يسألك.

 

أنت تملك المنصة،

والآخرون يملكون حق التصفيق فقط.

 

وهذا ليس أدباً ؛

هذه إدارة علاقات عامة متنكرة في هيئة ثقافة.

 

أما المشروع النقدي الحقيقي :

فلا ينبغي أن يتوقف عند أول موجة اعتراض. بل عليه أن يتقدم، ويختبر نفسه، ويقبل المراجعة العلمية، ويرفض في الوقت نفسه أن يتحول إلى أسير لأمزجة المنتفعين من المشهد.

 

أنا لا أؤمن بالناقد الذي يوزع شهادات الرضا، ولا بالناقد الذي يختار خصومه وفقاً لموازين القرب والبعد.

 

النقد مسؤولية معرفية، وموقف أخلاقي قبل أن يكون براعة لغوية.

 

ومن يضع النص تحت المجهر، عليه أن يضع أدواته هو أيضاً تحت مجهر السؤال.

 

لكن ثمة فرقاً شاسعاً بين النقد والتشويش.

 

النقد يقول :

هذه حجتي،

وهذا موضع الاختلاف، وهذه الأدلة.

 

أما التشويش فيقول :

لا تقتربوا من الفكرة،

انظروا إلى صاحبها  !

 

ولهذا لا أرى ضرورة للدخول في معارك مع كل طنين عابر  .

الذباب لا يناقش الضوء ؛

هو فقط ينزعج منه.

 

احتقر الضجيج، لا الأشخاص.

اعبر فوق الصغائر، لا فوق القيم.

استمر في مشروعك، ولا تجعل الذين لا يملكون مشروعاً يحددون لك اتجاهك.

 

ففي النهاية المشهد الأدبي  :

لا تحفظه كثرة العلاقات،

ولا عدد التعليقات،

ولا الحشود التي تتبادل المجاملات.

 

الذي يبقى هو النص، والفكرة، والأثر، والمشروع الذي يستطيع أن يقف أمام الزمن من دون أن يستعير عكازاً من أحد.

 

أما الانتهازي :

فيعيش على المسافة بين اسمه واسم غيره؛ يصعد حين يجد كتفاً، ويختفي حين تسقط المصلحة.

 

والوصولي  :

لا يبحث عن الضوء ليرى الحقيقة،

بل يبحث عن مكان قريب من مصدر الضوء، ولو اضطر إلى إطفاء مصباح غيره كي يبدو أكثر لمعاناً.

 

لكن الضوء الحقيقي

لا يحتاج إلى إقصاء أحد.

 

دعهم يقولون ما يشاؤون.

دعهم ينسجون من الظنون ما يشاؤون.

دعهم يصفقون لأنفسهم، ويتبادلون الأدوار، ويمنح بعضهم بعضاً أوسمة لا يملكها أحد.

 

المشاريع الكبيرة :

لا تُقاس بعدد من حاولوا إيقافها،

وإنما بقدرتها على مواصلة السير

بعد أن ينتهي الضجيج.

 

وفي النقد تحديداً، لا تخف من أن تغضب الذين اعتادوا أن يُصفَّق لهم؛ خف فقط من أن تفقد أنت شجاعتك في قول ما تراه حقاً.

 

لأن الناقد الذي يبحث عن رضا الجميع، ينتهي غالباً إلى ألا يقول شيئاً يستحق أن يُسمع.

 

أما الناقد الذي يحرس استقلاله، ويحتكم إلى النص، ويقبل النقد العلمي، ولا يساوم على ضميره المعرفي، فقد يخسر بعض المقاعد…

 

لكنه يكسب شيئاً أثمن  :

أن يبقى واقفاً حين يجلس الجميع.

 

د. عبد الكريم الحلو

 

#رؤيتي_النقدية

#اشارتي_للجميع


مشاهدات 40
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/11/04 - 3:46 PM
آخر تحديث 2026/11/05 - 1:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 143 الشهر 8884 الكلي 16659418
الوقت الآن
الخميس 2026/11/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير