الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ماذا نملك ونريد ؟.. العراق وشركات الذكاء الإصطناعي العالمية

← بواسطة azzaman

ماذا نملك ونريد ؟.. العراق وشركات الذكاء الإصطناعي العالمية

عماد رحيم

 

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان العراق بحاجة إلى الذكاء الاصطناعي ، فالإجابة أصبحت واضحة ، وإنما السؤال الأكثر أهمية كيف يستطيع العراق أن يتحول من سوق مستهلك للتكنولوجيا إلى بيئة جاذبة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي .

فالعالم يدخل مرحلة جديدة تتنافس فيها الدول على استقطاب شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات ومختبرات البحث والتطوير ، بينما أصبحت البيانات والحوسبة والكوادر البشرية المتخصصة من أهم عناصر الاقتصاد الجديد ، وبالنسبة للعراق فإن الدخول في هذه المنافسة لا يحتاج إلى أن ينافس الدول الكبرى في كل المجالات ، وإنما أن يبحث أولاً عن نقاط القوة التي يستطيع تقديمها للمستثمر العالمي .

سوق كبير

قد لا يمتلك العراق حالياً أكبر شركات التكنولوجيا العالمية، لكنه يمتلك سوقاً كبيرة واحتياجات واسعة في قطاعات يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم فيها حلولاً ذات قيمة اقتصادية حقيقية ، مثل الطاقة ، النفط ، الزراعة ، الموارد المائية ، الصحة ، التعليم العالي ، البنوك ، النقل ، الأمن السيبراني والخدمات الحكومية ، كلها قطاعات يمكن أن تصبح مختبراً واسعاً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي ، كما أن العراق يمتلك أعداداً كبيرة من الشباب وخريجي الجامعات ، ويمكن أن يتحول هذا العدد إلى ميزة استثمارية إذا جرى تدريبهم وتأهيلهم في البرمجة والبيانات والذكاء الاصطناعي .

وبذلك يستطيع العراق أن يقول للشركات العالمية لدينا سوق ، ولدينا احتياجات وشباب وقطاعات تحتاج إلى حلول ذكية ، ونريد منكم أن تكونوا شركاء في بناء هذه القدرات ، لا نريد شركة تأتي لتبيع فقط

أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه العراق هو التعامل مع شركات الذكاء الاصطناعي الأجنبية باعتبارها شركات بيع خدمات ومنتجات فقط

العراق بحاجة إلى نموذج مختلف ، إذا دخلت شركة عالمية إلى السوق العراقية ، فمن الأفضل أن يكون حضورها مرتبطاً بإنشاء مركز للبحث والتطوير أو مركز بيانات أو أكاديمية تدريب أو شراكات مع الجامعات العراقية ، وأن تساهم في تأهيل الكوادر المحلية ، فالهدف ليس فقط شراء برنامج أو منصة ، وإنما شراء المعرفة وبناء الإنسان العراقي ، وهنا يمكن أن تكون هناك حوافز استثمارية حقيقية للشركات التي تلتزم بتوظيف العراقيين وتدريبهم ونقل التكنولوجيا إليهم .

مراكز البيانات فرصة استثمارية مهمة

من المجالات التي يمكن للعراق التفكير فيها بجدية مراكز البيانات والحوسبة السحابية ، فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بنية حوسبية ضخمة وطاقة كهربائية واتصالات سريعة ومراكز بيانات آمنة ، وإذا استطاع العراق تطوير هذه البنية ، فإنه لن يخدم السوق المحلية فقط ، وإنما يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى موقع إقليمي لخدمات الحوسبة والبيانات ، خصوصاً إذا توافرت الطاقة والاتصالات والاستقرار التشريعي والاستثماري ، وأن يتحول موقع العراق الجغرافي إلى عنصر جذب إضافي، بدلاً من أن يبقى مجرد موقع عبور تجاري ، وما الذي نطلبه من المستثمر ، إذا قدم العراق الأرض والتسهيلات والحوافز والسوق ، فمن حقه أن يطلب مقابلاً اقتصادياً واضحاً ، يمكن أن تتضمن الاتفاقيات مع الشركات العالمية التزامات تتعلق بتدريب وتأهيل الكوادر العراقية ، وتشغيل نسبة من العاملين العراقيين ، وإنشاء مراكز بحث وتطوير داخل العراق ، والتعاون مع الجامعات العراقية ، ونقل جزء من المعرفة والتكنولوجيا ، ودعم الشركات العراقية الناشئة ، وتطوير حلول مخصصة للعراق والمنطقة ، وحماية البيانات العراقية وفق القانون ، والمساهمة في بناء البنية التحتية الرقمية.

وبذلك لا يصبح الاستثمار الأجنبي مجرد مشروع تجاري ، وإنما شراكة طويلة الأمد في بناء الاقتصاد الرقمي العراقي .

من المهم أيضاً ألا تذهب الفرصة كلها إلى الشركات الأجنبية ، فإذا دخلت شركة عالمية كبيرة إلى العراق ، يجب أن تكون هناك مساحة للشركات العراقية الناشئة والمبرمجين والمهندسين للعمل معها، وتقديم الخدمات والحلول المساندة ، ومن الممكن أن تنشأ حول كل شركة عالمية منظومة من الشركات العراقية الصغيرة والمتوسطة ، بما يوفر فرص عمل جديدة ويخلق جيلاً من رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا ، ويصبح الاستثمار الأجنبي وسيلة لتأسيس صناعة عراقية للذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يكون بديلاً عنها .

محرك اكبر

والحكومة من المنظم إلى أول مستخدم في الدولة العراقية تستطيع أن تكون المحرك الأكبر لهذا السوق ، فبدلاً من انتظار القطاع الخاص وحده ، يمكن للحكومة أن تستخدم الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، والصحة والتعليم والضرائب والجمارك والطاقة والزراعة ، وأن تمنح الشركات العراقية فرصة لتطوير حلول محلية ، وتمتلك أكبر قاعدة من الخدمات والبيانات ، وإذا أحسنت إدارتها وفق القوانين والضوابط ، يمكن أن تصبح هذه البيانات أساساً لتطوير حلول عراقية متقدمة ، لكن ذلك يتطلب تشريعات واضحة تحمي الخصوصية والبيانات ، وتحدد المسؤولية القانونية عن استخدام الذكاء الاصطناعي ، وتمنع إساءة استخدامه .

العراق أمام فرصة تاريخية ، لكنه يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير ، لم يعد المطلوب أن نستورد التكنولوجيا ونستخدمها فقط ، وإنما أن نستفيد منها لبناء شركات وكفاءات ومنتجات عراقية ، وقد يكون من الخطأ أن يسأل العراق شركة عالمية: كم سيكلفنا نظام الذكاء الاصطناعي ، والسؤال الأفضل ، كم فرصة عمل ستخلق ، كم عراقياً ستدرب ، كم شركة عراقية ستشارك ، وما المعرفة التي ستبقى في العراق بعد انتهاء المشروع .

هذه المعادلة التي يمكن أن تجعل الاستثمار الأجنبي أكثر فائدة للاقتصاد العراقي ، الفرصة أمام العراق اليوم ، فالذكاء الاصطناعي ليس قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد ، بل تقنية ستدخل تقريباً في جميع القطاعات.

ولهذا فإن العراق يستطيع أن يبدأ من المجالات التي يمتلك فيها ميزة واضحة، وعلى رأسها الطاقة والزراعة والمياه والصحة والخدمات الحكومية ، ثم يتوسع تدريجياً نحو تطوير البرمجيات والحلول الرقمية ومراكز البيانات ، وإن جذب الشركات العالمية لن يتحقق بمجرد تقديم الإعفاءات أو الأراضي ، وإنما من خلال بناء بيئة استثمارية مستقرة، وتشريعات واضحة ، وبنية رقمية قوية ، وطاقة موثوقة ، وكوادر بشرية مؤهلة ، وسوق واسعة ، وفي المقابل ، يجب أن يعرف المستثمر العالمي أن العراق لا يبحث عن شركة تأتي لتبيع منتجاتها ثم تغادر ، وإنما عن شريك يساعده على بناء اقتصاد معرفي جديد .

فالنفط جعل العراق بلداً مهماً في اقتصاد القرن الماضي ، أما في القرن الحالي فإن امتلاك المعرفة والبيانات والقدرات البشرية قد يكون الطريق إلى ثروة جديدة ، والسؤال الذي يجب أن تطرحه بغداد اليوم ليس كم سندفع مقابل الذكاء الاصطناعي ، بل ماذا سنبني بالذكاء الاصطناعي، وماذا سيبقى للعراق بعد أن تدخل هذه الثورة كل بيت ومؤسسة وقطاع اقتصادي .

 


مشاهدات 33
الكاتب عماد رحيم
أضيف 2026/11/02 - 3:24 PM
آخر تحديث 2026/11/03 - 1:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 190 الشهر 4615 الكلي 16655149
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/11/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير