لماذا تتعثر أممٌ وتنهض أخرى؟ قراءة في أزمة الدولة العربية والإسلامية بين التاريخ والسياسة
عباس التميمي
ليس من السهل أن يجيب المرء عن سؤال ظل يتكرر على ألسنة المفكرين والباحثين منذ أكثر من قرن: لماذا استطاعت أمم أن تبني دولًا مستقرة ومزدهرة، بينما لا تزال دول عربية وإسلامية عديدة تدور في حلقات من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ إن هذا السؤال لا ينطلق من جلد الذات، ولا من الإعجاب الأعمى بتجارب الآخرين، بل من رغبة صادقة في فهم أسباب التعثر، لأن أي أمة لا تستطيع إصلاح واقعها ما لم تمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائها قبل البحث عن أخطاء الآخرين.
لعل من أعمق من تناول نشوء الدول وسقوطها المؤرخ والفيلسوف ابن خلدون في المقدمة. فقد رأى أن الدول لا تنهار فجأة، وإنما يبدأ ضعفها عندما تتآكل العصبية الجامعة، ويستبد الحكام بالرأي، ويحل الترف والفساد محل العدل والعمل. ويذهب ابن خلدون إلى أن الظلم مؤذن بخراب العمران، وهي عبارة أصبحت من أشهر قواعد الفكر السياسي في الحضارة الإسلامية؛ فحين يغيب العدل، تتراجع الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويضعف الاقتصاد، ويبدأ المجتمع بفقدان قدرته على الإبداع والإنتاج.
وبعد أكثر من خمسة قرون، عاد المفكر الجزائري مالك بن نبي ليطرح سؤالًا مختلفًا: لماذا تتخلف المجتمعات حتى بعد زوال الاستعمار؟ فكان جوابه أن المشكلة ليست خارجية فقط، بل تكمن أيضًا فيما سماه "القابلية للاستعمار"، أي ضعف المجتمع من الداخل عندما يفقد حيويته الفكرية وقدرته على التنظيم والإبداع. ولم يكن يقصد تبرئة الاستعمار من جرائمه، بل التأكيد أن نهضة الأمم تبدأ بإصلاح الإنسان، وإحياء العقل، وبناء مؤسسات قوية، لأن المجتمع الواعي يصعب إخضاعه أو استغلاله.
أما عبد الرحمن الكواكبي، في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، فقد رأى أن الاستبداد ليس مجرد ظلم سياسي، بل أصل لكثير من صور الفساد الأخرى ، فالسلطة المطلقة، في نظره، تُفسد الإدارة، وتُضعف القضاء، وتُقيد حرية الفكر، وتزرع الخوف في المجتمع، حتى يصبح الناس أقل قدرة على المبادرة والمحاسبة ولهذا اعتبر أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإقامة الحكم الرشيد، حيث تكون السلطة خاضعة للقانون، لا فوقه.
وفي الفكر الغربي، يقدم المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل رؤية لا تقل أهمية، ففي كتابه الديمقراطية في أمريكا لم يُرجع قوة الدولة إلى ثروتها أو جيشها فحسب، بل إلى قوة المجتمع المدني، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، والمشاركة الواسعة للمواطنين في الشأن العام، فالدولة، في نظره، تصبح أكثر استقرارًا عندما يشعر المواطن بأنه شريك في صنع القرار، لا مجرد متلقٍ لقرارات السلطة.
فعندما نجمع هذه الرؤى، رغم اختلاف الأزمنة والثقافات، نجد أنها تلتقي عند حقيقة واحدة: أن ازدهار الأمم لا يتحقق بالثروات وحدها، ولا بالشعارات، ولا حتى بالقوة العسكرية، بل بقيام دولة عادلة، ومؤسسات مستقلة، وتعليم منتج، ومواطن يشعر أن كرامته مصونة وأن القانون يحميه، فحين يسود العدل يزدهر العمران، وحين يُحترم العقل يزدهر العلم، وحين تُحاسب السلطة يثق الناس بدولتهم، وعندها فقط تتحول الأوطان من ساحات للصراع إلى ميادين للإبداع والتقدم.
إن هذه الأفكار، التي كتبها ابن خلدون قبل ستة قرون، والكواكبي قبل أكثر من مئة عام، ومالك بن نبي في القرن العشرين، وتوكفيل في القرن التاسع عشر، ما زالت تحتفظ براهنتيها، فهي تذكرنا بأن أزمة أي أمة ليست قدرًا محتومًا، وأن طريق النهضة يبدأ دائمًا من إصلاح الإنسان، وبناء المؤسسات، وإعلاء قيمة القانون، قبل البحث عن الحلول في أي مكان آخر.
لقد ورثت كثير من الدول العربية والإسلامية ظروفًا تاريخية معقدة، بدءًا من الاستعمار، ومرورًا بحدود سياسية رُسمت دون مراعاة للتركيبة الاجتماعية، وانتهاءً بصراعات إقليمية ودولية أثرت في استقرارها، غير أن التاريخ، مهما كان ثقيلًا، لا يكفي وحده لتفسير الواقع. فهناك دول تعرضت للاستعمار والحروب ثم استطاعت أن تعيد بناء نفسها، مما يعني أن المشكلة ليست في الماضي وحده، بل في الكيفية التي أُدير بها الحاضر.
ومن أبرز أسباب التعثر ضعف بناء مؤسسات الدولة، فالدولة لا تُقاس بعدد المباني الحكومية ولا بحجم الميزانيات، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. وعندما تصبح المؤسسات تابعة للأفراد بدل أن يكون الأفراد خاضعين للمؤسسات، تبدأ الدولة بفقدان هيبتها، ويتحول النفوذ الشخصي أو الحزبي أو القبلي إلى وسيلة للوصول إلى الحقوق، بينما يتراجع مفهوم المواطنة المتساوية.
ومن هنا يتسلل الفساد، وهو ليس مجرد سرقة للمال العام كما يُتصور أحيانًا، بل هو منظومة تبدأ بالمحاباة والوساطة، ثم تتوسع إلى الرشوة واستغلال النفوذ، وتنتهي بإهدار ثقة المواطن في دولته، فالفساد لا يسرق الأموال فقط، بل يسرق الأمل أيضًا. وحين يرى الشاب أن الوظيفة تُمنح بالواسطة، وأن الترقية لا تعتمد على الكفاءة، وأن القانون يُطبق على الضعيف أكثر مما يُطبق على القوي، فإنه يفقد ثقته بأن الاجتهاد وحده يكفي لبناء مستقبله.
ويضاف إلى ذلك أن بعض الأنظمة السياسية، عبر عقود طويلة، لم تنجح في بناء ثقافة المشاركة السياسية، بل اعتمدت على تركيز السلطة في يد فئة محدودة. ومهما اختلفت المبررات، فإن غياب المؤسسات القادرة على تداول السلطة ومحاسبة المسؤولين يجعل الدولة أكثر عرضة للأزمات عند كل انتقال سياسي. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق ببقاء الأشخاص، وإنما ببقاء القواعد التي تحكم الجميع.
ومن الظواهر التي رافقت هذا الواقع ظهور انقسامات داخلية على أسس طائفية أو عرقية أو قبلية أو أيديولوجية. والمشكلة ليست في وجود التنوع، فالتنوع سمة طبيعية في معظم دول العالم، بل في غياب مشروع وطني يجعل الجميع يشعرون بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات. وعندما تضعف هذه الشراكة، يسهل على دعاة الانقسام استغلال مشاعر الظلم أو التهميش لتوسيع نفوذهم، فتدخل الدولة في دوامة من الصراعات التي تستنزف طاقاتها لعقود.
كما لا يمكن تجاهل أثر الخطاب السياسي الذي يكثر فيه الوعد ويقل فيه الإنجاز، فالمواطن لا يقيس نجاح الحكومات بعدد الخطب أو الشعارات، وإنما بما يلمسه من تعليم أفضل، وقضاء عادل، وخدمات عامة، وفرص عمل، وأمن قانوني ، وعندما تتكرر الوعود دون نتائج ملموسة، تتراجع الثقة بين المجتمع والدولة، ويصبح الإحباط بيئة خصبة للهجرة أو العزوف عن المشاركة في الشأن العام.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي أمة ليس الفقر وحده، بل فقدان الثقة بين المواطن ومؤسساته، فعندما يشعر الإنسان أن وطنه لا يمنحه العدالة ولا يكافئ الكفاءة، يبدأ بالبحث عن مستقبل في مكان آخر، وهكذا تخسر الدول أهم ثرواتها: الإنسان المتعلم والكفء، الذي كان يمكن أن يكون شريكًا في التنمية لو وجد البيئة المناسبة.
إذا كان تشخيص الأزمة يمثل نصف الطريق نحو العلاج، فإن النصف الآخر يكمن في فهم أسباب نجاح الأمم التي استطاعت أن تتحول من الفقر والدمار إلى مراكز عالمية للعلم والاقتصاد والتكنولوجيا. فكثير من الدول التي تُعد اليوم نموذجًا في الاستقرار لم تكن دائمًا كذلك؛ فقد خرجت من حروب مدمرة وأزمات اقتصادية خانقة، لكنها اختارت أن تجعل بناء المؤسسات وسيادة القانون والاستثمار في الإنسان أولويات وطنية لا تخضع لتغير الحكومات أو تبدل القيادات.
إن الفارق الحقيقي بين الدول لا يُقاس بحجم الثروات الطبيعية وحدها، بل بكيفية إدارتها، فالتاريخ مليء بدول فقيرة في الموارد أصبحت من أغنى اقتصادات العالم، بينما بقيت دول غنية بالنفط والمعادن تعاني من البطالة والفساد والتخلف الإداري، والثروة، إذا لم تُدار بكفاءة وشفافية، قد تتحول من نعمة إلى عبء، لأنها تُغني الدولة عن الإصلاح وتُبقي الاقتصاد معتمدًا على مورد واحد بدلاً من تنويع مصادر الإنتاج.
ومن أهم عوامل التقدم أيضًا احترام العلم والتعليم. فالدول التي سبقت غيرها لم تجعل التعليم مجرد وسيلة للحصول على شهادة، بل اعتبرته مشروعًا لبناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع والنقد، فالجامعات ليست مباني، وإنما مصانع للعقول، والبحث العلمي ليس ترفًا أكاديميًا، بل استثمار طويل الأمد ينعكس على الصناعة والاقتصاد والصحة والأمن. ولهذا نجد أن الدول المتقدمة تتنافس في عدد براءات الاختراع، وفي جودة جامعاتها، وفي حجم الإنفاق على البحث والتطوير، بينما تنشغل دول أخرى بخلافات سياسية تستهلك وقتها ومواردها.
كما أن سيادة القانون تشكل حجر الزاوية في أي نهضة ، فحين يعلم المسؤول قبل المواطن أن القانون سيحاسبه إذا أخطأ، تتراجع مساحة الفساد ويزداد احترام المؤسسات ، أما عندما يصبح القانون انتقائيًا، أو يُطبق على الضعفاء دون الأقوياء، فإن العدالة تفقد معناها، ويصبح الالتزام بالقانون خيارًا لا واجبًا.
ولا يمكن تجاهل دور الثقافة السياسية في بناء الدول، الديمقراطية، على سبيل المثال، ليست مجرد انتخابات، بل منظومة تقوم على قبول الاختلاف، واحترام المعارضة، وحرية الإعلام، واستقلال القضاء، والمساءلة الدائمة، وقد تختلف النظم السياسية من دولة إلى أخرى، لكن التجارب الناجحة تشترك في حقيقة واحدة، وهي أن المؤسسات أقوى من الأشخاص، وأن الدولة تستمر مهما تغيرت الحكومات.
وفي المقابل، من الخطأ أن نصور الغرب أو أي منطقة أخرى وكأنها خالية من المشكلات، فالدول الغربية تواجه تحديات تتعلق بالهجرة، والشيخوخة السكانية، والاستقطاب السياسي، والأزمات الاقتصادية، وصعود التيارات الشعبوية، لكنها تمتلك في كثير من الحالات مؤسسات وآليات تساعدها على معالجة هذه الأزمات دون أن تنهار الدولة أو تدخل في دوامة من العنف والانقلابات. ولذلك فإن المقارنة العادلة لا تكون بين مجتمع مثالي وآخر فاشل، وإنما بين نماذج مختلفة في قدرتها على إدارة الأزمات.
أما في العالم العربي والإسلامي، فإن الصورة ليست واحدة أيضًا، فهناك دول حققت تقدمًا ملحوظًا في مجالات البنية التحتية، والتحول الرقمي، والتعليم، والتنمية الاقتصادية، بينما لا تزال دول أخرى تعاني آثار الحروب أو الانقسامات أو ضعف الإدارة، وهذا يؤكد أن المشكلة ليست مرتبطة بدين أو ثقافة أو هوية، بل بطريقة إدارة الدولة، وبمدى قدرة المؤسسات على خدمة المجتمع وتحقيق العدالة.
إن النهضة لا تبدأ من الخطابات الحماسية، ولا من تكرار أمجاد الماضي، بل من الاعتراف بأن الأمم تُبنى بالعلم، والعمل، والنزاهة، والشفافية، واحترام الإنسان، فحب الوطن لا يُقاس بكثرة الشعارات، وإنما بالحفاظ على المال العام، وإتقان العمل، واحترام القانون، والدفاع عن المصلحة العامة حتى عند تعارضها مع المصالح الشخصية.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مواطن ومسؤول ومثقف على نفسه: ما الذي نحتاج إليه كي نصنع مستقبلًا مختلفًا؟ قد تختلف الإجابات، لكن التاريخ يقدم درسًا واضحًا؛ فالأمم التي جعلت الإنسان محور التنمية، وأقامت مؤسسات قوية، وربطت السلطة بالمساءلة، واستثمرت في المعرفة، استطاعت أن تنتقل من الهامش إلى الصدارة،أما الأمم التي اكتفت بالشعارات، وأهملت الإصلاح الحقيقي، فقد بقيت أسيرة أزماتها مهما امتلكت من موارد وإمكانات.
إن المستقبل ليس قدرًا مكتوبًا لا يتغير، بل نتيجة للقرارات التي تتخذها المجتمعات اليوم، وإذا كانت الأمم التي سبقتنا قد نجحت لأنها آمنت بأن الإصلاح يبدأ من الداخل، فإن الطريق لا يزال مفتوحًا أمام دولنا أيضًا، فالتاريخ لا يمنح المجد لأمة بعينها، وإنما يكافئ المجتمعات التي تراجع نفسها، وتتعلم من أخطائها، وتؤمن بأن بناء الدولة العادلة هو الطريق الأقصر إلى الأمن والازدهار والكرامة الإنسانية.
إن نهضة الأمم أو تعثرها ليست مسألة حظ، ولا هي مرتبطة بدين أو عرق أو جغرافيا، بل هي ثمرة خيارات سياسية، ومؤسسات راسخة، وثقافة مجتمعية تؤمن بالعلم والعدالة والمساءلة. فالتاريخ يثبت أن كل أمة امتلكت الإرادة لإصلاح نفسها استطاعت أن تتجاوز أزماتها، بينما بقيت الأمم التي استسلمت للفساد، والاستبداد، والانقسام، أسيرةً لدائرة لا تنتهي من التراجع.
وليس المقصود من هذه المقارنة تمجيد تجربة على حساب أخرى أو التقليل من شأن شعوبنا، وإنما دعوة صادقة إلى مراجعة الذات بعيدًا عن الشعارات والانفعالات، فالأوطان لا تُبنى بالخطب الرنانة، ولا باستحضار أمجاد الماضي وحدها، بل ببناء دولة القانون، وترسيخ المواطنة، واحترام الكفاءة، وحماية المال العام، والاستثمار في الإنسان بوصفه الثروة الحقيقية لأي أمة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق ضمير كل مسؤول ومثقف ومواطن: هل سنواصل تفسير إخفاقاتنا بالمؤامرات والظروف الخارجية وحدها، أم سنمتلك الشجاعة للاعتراف بأن الإصلاح يبدأ من داخل مؤسساتنا، ومن طريقة إدارتنا لشؤون أوطاننا؟ إن مستقبل الأجيال القادمة لن تصنعه الشعارات، بل ستصنعه القرارات الحكيمة، والعمل الجاد، والإيمان بأن بناء الدولة العادلة هو الطريق الوحيد نحو الاستقرار والازدهار.