الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ﻷنقذ ابنتي

← بواسطة azzaman

قصة قصيرة

ﻷنقذ ابنتي

 مازن الحمداني

 

العراق

شظايا العودة

١. عواء في الفراغ

الخط الفاصل ليس خطاً على خارطة، إنه سكين تقطع العمر إلى نصفين.

الظلام هنا حاد كالموس.

عواء الذئاب يقترب، يتردد صداه بين الجبال والوديان.

يرتعد تنفس الأب، وتخونه ركبتاه.

يطبق يده على عصا غليظة قطعها من شجرة قريبة.

يعلم تماماً أن غصناً يابساً لن يصد ذئباً جائعاً، لكنه يحتاج إلى وهم القوة ليخطو الخطوة التالية.

كل قشعريرة في جسده تطرده إلى الخلف، لكن يداً صغيرة متخيلة تمسك بطرف قميصه تعيده إلى المسار.

٢. ثلاث دقائق من الحياة

صوت المقود في يده كان يرتجف.

في الغربة، كانت الغرفة الضيقة تختنق برائحة الخبز الذي تضعه زوجته في الكيس بصمت، وبعيون الأبناء الراصدة.

كل مساء، عند السابعة تماماً، يتحول الهاتف الثابت إلى شريان الحياة الوحيد.

ثلاث دقائق فقط يسمع فيها صوتها عبر البحار.

لكن الهاتف رنّ في الثالثة فجراً، رنينه في هذا الوقت لم يكن اتصالاً، كان قنبلة موقوتة.

صوت الحماة جاء مكسوراً ومبتوراً: "قتلوا ابني الطبيب... قتلوه لأنه داواهم دون أن يسأل عن هوياتهم".

ثم جاء الصوت الطفولي الخافت الذي حسم كل شيء قبل أن ينقطع الخط تماماً: "بابا، متى تأتي؟".

٣. انفجار اليأس

في الكرفان الحديدي الضيق قرب نقطة التفتيش، لم تكن رائحة العرق والخوف هي ما يزكم الأنوف فحسب، بل رائحة المهانة التي بلغت حدها الأقصى.

سلسلة الضرب المبرح وتورم الجفون، وصدور أمر بالتصفية في تلك اللحظة، لم تعد هناك حسابات عقلانية، ولا خوف من رصاصة طائشة، ولا انتظار لرحمة لم ولن تأتي.

شيء ما انكسر داخل الأب تماماً؛ صمتٌ زائلٌ ومطبوع بالدم.

في لحظة غفلة، ومع ضحكة هزائية أطلقها أحدهم، امتدت يده المرتجفة لا بعضل من فولاذ بل بانتفاضة يائس لا يملك ما يخسره.

انتزع السلاح الملقى على الطاولة الهشة.

ساد الذهول الكرفان لثانية واحدة كانت أطول من دهر.

انطلقت الطلقة الأولى لا عن مهارة، بل عن ذعر مطلق وسيطرة للغريزة.

خرج من الكرفان، والدم يغطي نصف وجهه، والسلاح في يده يبدو ثقيلاً وبشعاً كجثة.

لم يكن بطلاً في فيلم حركة؛ كان إنساناً وديعاً تم دهسه حتى اضطر لأن يتغذى على الوحشية كي يضمن لابنته النجاة من هذه الأرض الملعونة.

٤. الميزان المكسور

قبل الحدود بمسافة قصيرة، وتحديداً عند آخر صخرة في القرية المتاخمة للخط الفاصل، شلّت الحركة في قدميه.

جلس كمن نُحت من حجرٍ.

اندلع في رأسه صراع تجاري بحت، حسابات عقلانية باردة:"أسرة كاملة تركتها وراءك في بلاد الغربة.

لا نصير لهم ولا معين.

الناس هناك ينظرون إليهم كدخلاء وأرقام زائدة.

إن متّ هنا على الحدود، من سيشتري لهم الخبز؟ من سيحمي زوجتك وأبنائك من غدر الحاجة؟

وفي الكفة الأخرى، قلب ينبض باسم واحد: "ابنتك التي فقدت النطق هناك".

ساعات طوال وهو يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين، يتأرجح بين واجب الأب هناك وواجب الأب هنا، حتى غلبه التعب فاستند برأسه إلى الحجر.

٥. الشارع الفارغ والكلاب

الصباح لا يأتي بالفرج دائماً.

حين وصل إلى القرية الأولى بعد عبور الحدود، لم يستقبله أحد سوى قطيع من الكلاب الشاردة التي حاصرته بكشير أنيابها.

أنقذه فانوس عجوز وصيحة حازمة.

لكن المصاعب لم تنته؛ السيارة التي وعده بها العجوز لتنقله إلى المدينة تعطل محركها في منتصف الطريق الجبلي المهجور.

 اضطر الأب والسائق المتجهم إلى دفعها تحت شمس حارقة لعدة كيلومترات.

حين تحركت السيارة أخيراً، التفت السائق ببرود وقال:"إن كنت مطلوباً فأنزل الآن، الأسبوع الماضي أنزلت رجلاً عند الحاجز ولم يعد حتى اليوم".

الخوف المشترك حوّل العربة إلى تابوت متحرك من الصمت.

٦. ما وراء الباب

"أنا أبوكِ يا صغيرتي".

خلف الباب الخشبي المقشر لبيت الجدة، ساد صمت جليديّ قبل أن تنطلق خطوات صغيرة مهرولة.

قفزت الطفلة إلى عنقه، تشبثت به بأصابع مرتجفة كأنها تمسك بآخر طوق نجاة في عالم يتهاوى.

ثم نظرت الطفلة إلى شكل أبيها المرعب، فلم تصرخ، وعيناها المتسعتان تلتصقان بيده المتسخة بالبارود والدم...

اليد ذاتها التي كانت قبلاً تمسح على رأسها وتطعمها الخبز.

في تلك اللحظة، تحول الأب الوديع في نظرها إلى كائن غريب ومخيف؛ يريدُ إنقاذَ جسدها من موتٍ مؤكد، لكنه صدم روحها في الصميم، لتبدأ رحلة الرعب الأعمق وسط عالم لم يعد فيه أمان.

بكت بحرقة، بينما جلست الجدة على الأريكة تجمع أنفاسها الثقيلة المثقلة بالحزن.

اغتسلَ وأبدلَ ثيابه وتناول عشاءه، في الليل، والطفلة تنام في حضنه، سألها بصوت منخفض عما رأته، متوقعاً أن تتحدث عن جثة خالها الطبيب أو عن الرصاص. لكنها نظرت إليه بعينين واسعتين وقالت كلاماً لم يفهمه كبار السن: "الناس في الخارج يا أبي... يمشون ولا ينظر أحد إلى الآخر. لا أحد يتحدث.

صاروا مثل الزومبي".

٧. الرحيل الموجع

على الهاتف، كانت الزوجة تبكي في الغربة، بينما الأب يجلس بجانب حماته يستمع إلى تفاصيل الكابوس.

لم يكتفوا بقتل الطبيب.

المصيبة كانت في إذلاله أولاً؛ أحاطوا به، حلقوا شاربه عنوة، وجعلوه ينبح كالكلاب تحت تهديد السلاح وهم يضحكون.

الجدة تنهمر دموعها وهي تروي كيف أطلق أحدهم رصاصة على رأسه، ثم تبارى البقية بإطلاق النار على جثته الهامدة قبل أن يكملوا طريقهم وكأنهم داسوا على حشرة.

٨. العتبة

بعد منتصف الليل، حمل ابنته من فراشها وهي نائمة، وضعها في السيارة، وودع الجدة وداع من لا يراه مرة أخرى، وودعت الجدة الطفلة بدموع حارقة وأوصت الصهر بها.

قصد حدود دولة مجاورة غير الدولة التي جاء منها، ليعبر منها إلى مقصوده، وعند عتبة الوطن، حيث يبدأ الشارع الفارغ والموحش، تسمرت قدما الطفلة.

شدّت على ذراع أبيها بقوة آلمته، ونظرت إلى الفراغ المحيط بها وقالت بهدوء مرعب:

"بابا... لا أريد أن أعود إلى بلاد الزومبي".


مشاهدات 44
الكاتب  مازن الحمداني
أضيف 2026/11/04 - 2:38 PM
آخر تحديث 2026/11/05 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 142 الشهر 8883 الكلي 16659417
الوقت الآن
الخميس 2026/11/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير