الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ماذا عن تشكيل تيار سياسي مدني مسيحي مستقلّ؟

← بواسطة azzaman

همسات ساخنة.. ومضات هادئة

ماذا عن تشكيل تيار سياسي مدني مسيحي مستقلّ؟

لويس إقليمس

 

منذ سقوط النظام السابق وإتيان الغازي الأمريكي بمنظومة «ديمقراطية» مشوّهة على هواه وشاكلته ومصالحه، مازالت البلاد تترنحُ كالسكارى في ليالي الأنس الماجنة بلا نتيجة في التوافق الحميميّ المشوّه بين الإخوة الأعداء والأصدقاء الغرماء. ففي كلّ دورة انتخابية «مدمقرطة» على طريقة شركاء تقاسم السلطة، يخرج العراقيون بذات الحصيلة، بل وأتعسَ منها بعد تحويل منصب الرئيس التنفيذي للحكومة والقائد العام للقوات المسلحة شيئًا فشيئًا إلى شبيه ب»مدير تنفيذيّ» فاقد للسلطة والهيبة والهوية أو موظف مغلوبٍ على أمره راضخٍ لإدارة زعامات لصوصية تدير العملية السياسية من منظور عقائديّ فوقيّ خارجٍ عن دارة الولاء للوطن. فيما الشعب البائس المستضعف غافلٌ يأبى الاستيقاظ بسبب غياب كلّ دلائل الغيرة وسمات الانتفاضة ضدّ الظلم وأشكال القهر والنهب والتزوير الفاضحة. واقعٌ بائس لا يرتضيه الوطني الشريف، حتى لو لم يكن يحمل صفة الثقافة والوعي المتقدم. فالنفسُ الأبيّة تأبى أن تتنافسَ مع مَن فقدوا الشرعية أو تسلطوا بغير حقّ أو استوطنوا الأرض أو قتلوا الزرع أو نهبوا الثروة أو أطاحوا بالصناعة خارجًا عن مفردات الوطن والانتماء للأمة العراقية التي لا شيءَ ولا هدفَ آخرَ يمكن أن يعلو عليها عندما باعوا أنفسَهم للغير ولاءً وخنوعًا.

وفق ذات النظرة الوطنية الصائبة لأحوال البلاد وما تمخضت عنه نتائج الدورة الانتخابية السادسة الأخيرة والتشكيلة الوزارية المشبوهة في تركيبتها من عثرات وأزمات وانعكاسات ليس على الصعيد السياسي فحسب بل على المستوى المعيشي للفرد العراقي بسبب الفوضى العارمة المصطنعة التي خلقتها أزمة مضيق هرمز والحرب الأمريكية – الإيرانية المشكوك في نواياها، فقد عانى المكوّن المسيحي مثل كلّ مرّة من أزمة التوافق الأبدي بين أحزابه الولائية لجهات لم تعد خافية على أحد حينما انكشفت أوراق الأطراف المعنية بصيغة مساومات وتجاذبات وتعاقدات واستجداءات، لا لشيء إنّما لحصد مقعد وزاريّ هشّ دارت حوله شبهاتٌ وحاصرتهُ طعونٌ وقيلت بحقه حكايات تُبكي بقدر ما تُضحك. من هنا، فقد آن الأوان، ولو متأخرًا جدًا، لمحرّكاتٍ صاحبةِ رؤية مستقلّة وتأثير مجتمعي وكنسي وثقافي أن تتولى زمام حركة جديدة أو بالأحرى إعادة مبادرة سابقة كان لها وقعُها قبل أكثر من عشر سنوات تمثلت بمقترح تشكيل «هيئة تنسيقية» عقدت أول لقاء لها بتاريخ 5 حزيران 2015 في مطرانية الروم الأرثوذكس بتوجيه ودعمٍ من غبطة بطرريك الكلدان آنذاك لويس ساكو، وكنتُ شاهدًا للحدث. تلكم الفكرة، كان يمكن أن تكون بداية لتشكيل «مرجعية سياسية» مستقلة أو «هيئة رأي» تُعنى بتنتظيم أحوال المكوّن المسيحي بعيدًا عن تأثير الأحزاب المسيحية الخاضعة  لسطوة أحزاب المثلث الحاكم التي عمّقت حقارة المنظومة السياسية المحاصصاتية. فقد اتضح الهدف العام من هذه الأخيرة، وهي تدمير هيبة العراق والنيل من سيادته وتعميق الهوّة بين مكوّناته و»تفليش» بنيانه عندما فسحت المجال واسعًا لنهب ثرواته وتهريبها لجهات لم تعد مخفية وتقاسم ما تبقى منها نهارًا جهارًا بينها، ما أدّى إلى إفقار شعب الرافدين وتدمير عملته واقتصاده واللجوء لإجراءات تقتيرية بحق شرائح واسعة منه وفتح الخزينة لصرفيات غير ضرورية، منها لصالح أحزاب وأشخاص وأطراف عقائدية وغيرها مؤخرًا باستحداث مناصب جديدة ووزارات خيالية لا تنسجمُ مع واقع الحال المأساوي، إنما لترضية أحزاب السلطة وتوسيع مدارات النهب والسلب والسرقة بفرض الإطار على مقدرات البلاد دون غيره. 

تيار مستقل

لا أحد ينكر ما لأصحاب النوايا الحسنة النابعة من الروح الوطنية مساعيَهم المتجددة في بناء ما يستحقه وطن الرافدين باني الحضارات وصاحب الثقافات ورائد المبادرات، طالما بقيت سمة الانتماء مستيقظة في النفوس والقلوب والإرادات. فبناءُ الوطن على أسس مدنية صحيحة جامعة وليس عقائدية ضيقة مشتِّتة للمشتّت ومقسِّمة للمقسَّم، يبقى هو الأساس في أية مبادرة يقترحُها مَن يستحق الوطنُ الافتخارَ بهم وبأفكارهم التنويرية التي تجمع ولا تفرّق، تبني ولا تدمّر. ومن هذه الأفكار والمبادرات يمكن أن يستمطر المواطن الحقيقي بركات السماء في إرساء قواعد العدالة الاجتماعية والمساواة في المواطنة وفق منظور إنساني واجتماعي لا يقبل القسمة والشقاق والتمايز. وهذه وحدها فقط يمكن أن تجمع أوفياء الوطن من أيّ مكوّن أو إثنية أو دين أو مذهب أو اتجاه حول ما يحتاجُه البيت الأبوي الكبير لجمع شمل الأبناء المشتتين بين الأحزاب والتيارات والولاءات الخارجية العقائدية منها خاصةً. فالدجاجة الأمّ تحرصُ دومًا على رعاية فراخها وإقاتتها وحمايتها من أية هجمة أو حركة عدائية يمكن أن تأتي من أقرب الأطراف لها. وتلكم حالة شعبنا العراقي المظلوم الواقع تحت سطوة أحزاب السلطة وأدواتها من الميليشيات التي يرفضها عموم الشعب باستثناء مَن ثبتوا ولاءَهم للغير. ويكفي أن يكون رئيس مجلس الوزراء الحالي علي الزيدي قد وضع هذه الاستراتيجية الوطنية الصائبة ضمن أولويات منهاجه الوزاري، هذا إذا أفلح في إكمال دوره كحامٍ للدستور ومدافعٍ عن الحق الوطني بلا تهديد أو مضايقة من الأطراف الرافضة لمنهاجه ورؤيته بالرغم من ضعف خبراته.

في اعتقادي، تكمن المبادرة الجديدة التي طرحها الكاردينال لويس ساكو مؤخرًا لتشكيل «إطارٍ سياسيّ  مسيحيّ مدني مستقلّ» مقبول من أهل الداخل والمهاجر بمثابة افكار قابلة النقاش والحوار، وهو الذي يُشهد له بخوض مغامرات سياسية خطيرة في بعضٍ منها. وفي حالة إنضاج هذه الأفكار من أطرفٍ حريصةٍ على ما تبقى من الوجود المسيحي المتراجع حتمًا في بلد الرافدين، فقد تتحقق معه أخيرًا أمنيات أصحاب النوايا الحسنة والإرادات الخالصة التي تبحث عن مناص وخلاص من التركيبة المتهالكة للبنية السياسية العراقية التي مازالت تعتقد أنها تُنعم على مسيحيّي العراق بفيضٍ من بركات الأحزاب التي تقود البلد بالفوضى والارتجال والمذهبية والعقائدية التي لا تنسجمُ مع مفهوم الديمقراطية الذي تتبجح به أحزابُ السلطة التي تابى أن تضيع منها في يومٍ من الأيام» إلاّ أنّ الدولة سجلٌّ: يومٌ لك ويومٌ عليك، كما العمرُ كتابٌ: وكل يوم صفحة تُكتب بيد مختلفة». فما أصاب مصير البلاد منذ سقوط النظام البائد من شؤون وشجون ومن تهاون واستخفافٍ بحق الوطن والمواطن حين أوغلت أحزاب السلطة في الوحل السياسي غير الصحيح، كانت ومازالت من الأسباب الرئيسية في استمرار جذوة الهجرة القاتلة المتواصلة لغاية الساعة، وخاصة بالنسبة للمكوّنات الهشّة قليلة العدد، ومنها المكوّن المسيحي. ولكننا نشدّ على أيدي ونوايا وإرادات مَن أصرّ ومازالَ يًصرُّ على البقاء في ارض الآباء والأجداد يصارع الظلم ويقارع القهر ويجاهدُ في سبيل بقائه بذرةً ناضجة وخميرةً حية ولسانًا لدوام المحبة والتعايش السلمي مع غيره من ابناء المكوّنات الأخرى الحريصة على بقائه ملحًا وخميرةً وزهرةً لا تذوي. فالحكماء والعقلاء ومثقفو الأمة العراقية الصادقون منهم يعلمون علم اليقين أنّ مغادرة هذه الشريحة المتميزة في الأخلاق والسلوك والأداء يعني تحوّل البلاد إلى قفرٍ بلونٍ صحراويّ واحد وبستانٍ خالٍ من الأزهار والورود ذات العبق الطيب في الأصالة والنوايا والمبادئ الوطنية الشريفة التي لا يُعلى عليها.

مادة دسمة

من هنا، يبقى لزامًا على الأطراف المسيحية الواعية، المثقفة والمجاهدة الباقية على أرض الوطن قسرًا أو طوعًا، لاقتناص الفرصة الجديدة وبالتعاون مع أصحاب النوايا الطيبة من أبناء المهجر وبلدان الاغتراب للبحث عن سبل مستفيضة وآليات فاعلة.

 ومؤثرة من شأنها تقريب المسافات بين أهل الداخل ونظرائهم وداعميهم ومؤازريهم من أبناء الخارج لخلق «تيار» أو «إطار» وطني ذي شأن كسائر التيارات السياسية القائمة اليوم على أسس دينية ومذهبية وعرقية مع الاحتفاظ بشعار يبقي الولاء للوطن وليس لغيره، ويحفظ الهوية الخاصة لسائر الأطراف ضمن الشركة المسيحية ممّا سيميّزه عن التيارات السياسية الولائية لأطراف السلطة المغضوب عليها. فهناك بالتأكيد، المؤثرون في بلدان الانتشار ممّن يمكن الاعتماد عليهم في تنشيط المبادرة الجديدة ودفعها للتحقيق بعيدًا عن تأثير أحزاب السلطة وأدواتها من الأحزاب المسيحية القائمة حاليًا التي تتنافس كالصقر على غنيمة وزارة الهجرة غير ذات شأن، مساومةً أو استجداءً أو استعطافًا. مع العلم كان يمكن أن تتنازل عنها هذه الأحزاب الخاضعة لسطوة عرّابيها إلى أطراف أو شخصيات مسيحية مستقلة وتنهي المشكلة في مبادرة واعية تنمُّ عن العفّة والإيثار والتنازل بدل التصارع والاستجداء على أبواب المسؤولين ومضافات الأحزاب والتنقل بين البيوتات غير الآمنة في نواياها، ما فتح الأبواب مشرعةً لانتقادها والاستخفاف بمواقفها والتندّر بمنافعها لصالح المتصارعين عليها.

إنّ أقلَّ ما يمكن قولُه عن النكاية بحقوق المكوّن المسيحي وما يستحقه من اهتمام صادق يكمن بزوغان الأطراف التي تدّعي الدفاع عنه وعن مصالحه غير المكتملة بعنجهيات ومهاترات لا تليق بالمنتمين إلى أحزابهم من أصحاب النوايا الحسنة من حاملي هموم هذا المكوّن سواءً من أهل الداخل أو الخارج. فكلّ طرفٍ يبكي على ليلاه وينتفض ويتعصّبُ لصالح التيار الحزبي والكتلة الكبيرة ضمن ائتلاف إدارة الدولة التي ينتمي إليها ولا يستطيع مغادرة توجيهاتها وامتيازاتها وأوامرها. ومن المؤسف أن يسمح المؤثرون من أبناء المكوّن المسيحي المتهالك، سواءً كانوا من رجالات الكنيسة أم من المثقفين المغرَّر بهم أو من بسطاء الشعب، للأغراب عن قيمهم ومبادئهم وحقوقهم بالتأثير على مطالبهم المشروعة في المواطنة العادلة المتساوية مع سائر مواطني البلد. فمثل هذا الخرق في تحديد وتثبيت والتشبث بالمطالب الوطنية والاستحقاقات المكوّناتية من شأنه فتح مكامن قواهم وقوامهم للتاثير عليها والمساومة بل حتى المتاجرة بها بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك من غير  مبرّر. فهناك أطرافٌ تستغلّ مبرّر التناقص في عدد أبناء المكوّن لتحقيق مكاسب تجارية تحت ذريعة بناء مشاريع مساعدات أو تمكين قدرات وما شاكلها. لقد كان الأجدر بهذه الجهات فتح ملفات الاعتداءات الصارخة بحق قرى وممتلكات ومنازل تعود لأبناء المكوّن المسيحي الذي اضطرّ لترك الوطن نتيجةً للخروقات الكثيرة بحقه.

يبقى السؤال معلَّقًا. هل سيتعاون أهلُنا في بلدان الاغتراب مع أفكار المبادرة الجديدة للكاردينال لويس ساكو ومَن على دربه من الحريصين على مستقبل ما تبقى من الأهل والأحبة من أجل وضع حدود قاصمة للمساومين والمتاجرين بحقوق ما تبقى من أهلهم وأحبائهم ومعارفهم في الوطن المغضوب عليه من النخبة الحاكمة؟ في اعتقادي، يمكن تطوير ما ورد من مجمل الأفكار التشجيعية والواقعية فيها لتكون ناضجةً أكثر بتداولها على نطاق واسع من أجل تطويرها وتقييم أشكال الدعم المنتظَرة من أهل الخارج لتكون ناصعة البياض بعدم خضوعها لتأثيرات أحزاب الداخل وفلسفات المتاجرين بمسألة الهوية القومية التي لا نفعَ من وراء التشبث بمواقف متزمتة تسعى أطرافٌ فيها لفرض هوية معينة على غيرها. ويكفي أن يبقى الهدف الأسمى في عهدة «السوراي» بالحفاظ على الإرث والحقوق من جميع الأطراف المعنية تحت خيمة وارفة مقتدرة تحمي الحقوق وتكسر جدران التبعية والولاء وتزيد الضغط الدولي على صنّاع القرار من المنافقين من دول الغرب المتفرّج. لقد كنّا ومازلنا نطالب بالمعاملة على أساس المواطنة بالفعل وليس بالكلام الطيب الذي لا نفعَ منه فحسب. فالهدف هو الشراكة الصحيحة مع غيرنا من مكوّنات الشعب العراقي على أساس المواطنة والحقوق والواجبات كاملةً غير منقوصة.


مشاهدات 60
الكاتب لويس إقليمس
أضيف 2026/10/30 - 11:40 PM
آخر تحديث 2026/10/31 - 1:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 123 الشهر 63052 الكلي 16648221
الوقت الآن
السبت 2026/10/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير