الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عيون الوطن.. مَن يحمي حياد العراق ؟

← بواسطة azzaman

عيون الوطن.. مَن يحمي حياد العراق ؟

كاظم نزار الركابي

 

في 27 تشرين الأول، دوّت انفجارات قرب المنطقة الخضراء. أعلنت خلية الإعلام الأمني إسقاط مسيّرة مجهولة الهوية، ونقلت رويترز عن مصدرين أمنيين أن دفاعات السفارة الأميركية أسقطت مسيّرتين. سقط الحطام على الأرض، وبقي فوق العاصمة سؤال أثقل منه:

مَن يريد جرّ البلاد إلى حرب، فيما تعلن حكومتها أنها تريد البقاء خارجها؟

بعد يومين، وغداة زيارته دمشق، تولّى رئيس الوزراء علي الزيدي مهام رئاسة جهاز المخابرات الوطني. وربط البيان الرسمي الخطوة بالتحديات الراهنة وخطة اكتمال السيادة. وفي اكتمال السيادة يقيم امتحان الدولة التي انتهت فيها مهمة التحالف، فيما تطوّقها حروب تعبر الحدود أسرع من بيانات الإدانة.

بأي عين ترى بغداد ما يقترب منها؟ وبأي سلطة تمنع مَن يحاول فتح الباب له؟

وفي 31 تشرين الأول، جمع الزيدي وزيري الدفاع والداخلية ورئيس هيأة الحشد الشعبي ورئيس أركان الجيش لمراجعة الأوضاع الأمنية وخطط الاستقرار. يوسّع الاجتماع دائرة المسؤولية، ويضع أمامها امتحانًا واضحًا: أن تتعدد المؤسسات ويبقى القرار واحدًا. اجتماع أصحاب الصلاحيات حول طاولة يكتسب قيمته حين تنتظم تحت سلطتهم أدوات القوة، وتنفذ أوامر الدولة على الجميع.

حساب عراقي

انتهت مهمة التحالف في 30 أيلول، وأعلنت القيادة المركزية الأميركية خروج القوات والمعدات من قاعدة أربيل. غادر ترتيب عسكري، وانتقلت مسؤوليات، وبقيت الحاجة إلى الرصد والإنذار والإسناد. وكشفت حادثة المسيّرات استمرار عمل دفاعات السفارة. لذلك يبدأ الحساب العراقي من تحديد ما بقي من الحماية، وما أُنجز من بدائل، وما ينتظر البناء. استقلال القرار يحمل مسؤولية معرفة حدود القدرة، وشجاعة معالجة نقصها.

تُروى الانسحابات بصور الجنود المغادرين والأعلام المطوية. وتواجه الدولة بعدها أسئلة القدرة: مَن يرصد؟ مَن يحلّل؟ مَن يحذّر؟ ومَن يقرر في الدقائق الفاصلة بين اكتشاف الخطر ووقوعه؟ السيادة التي تستردّ المكان تحمل أمانة حمايته. الجندي يرحل في يوم، والقدرة التي تخلفه تُبنى في أعوام. وكل تأخير في إعداد البديل يترك للآخرين مساحة أوسع للتصرف بمصير البلد.

ويتضاعف ثقل الأسئلة مع الانتخابات الأميركية في الثالث من تشرين الثاني، يوم صدور هذه السطور. وبين تلويح ترامب بضربات إضافية، واستمرار الوساطة القطرية، وتأكيد روبيو أن قرار الهجوم لم يُحسم، تبقى المنطقة أمام احتمالات متعاكسة. وعلى بغداد أن تبني استعدادها للخطر وتعمل لمنعه معًا. نجاح الوساطة يمنح العراق وقتًا لبناء قدرته؛ وتعثرها يجعل كلفة التأخير أفدح. وحياة العراقيين أثمن من أن تبقى معلّقة على تأويل تصريح أو انتظار تبدّل حسابات الآخرين.

هنا تكتسب خطوة المخابرات معناها الأعمق. يُقرّب تولّي الجهاز المعلومة من رئيس الحكومة. ويبقى الامتحان في قدرتها على الوصول إليه كاملة، لا سيما حين تخالف ما يريد سماعه. أخطر ما يصيب جهاز المعلومات أن يتعلّم إرضاء المسؤول قبل تحذيره. عندها يُصاغ التقرير على قياس الاطمئنان المطلوب، ويواصل الخطر تقدمه خارج الورق.

المعلومة التي تخشى صاحب القرار تترك الوطن مكشوفًا أمام ما يخشاه.

قال الزيدي إن الجهاز لجميع العراقيين، وإن إبعاده عن المحاصصة الحزبية والفئوية والطائفية ضرورة. ويكتمل معنى القول حين تحمي قواعد المؤسسة كفاءة العاملين واستقلال تقديرهم. لكل حكومة أولوياتها، وللدولة ذاكرة لا يجوز أن تتبدل كلما تبدّل رئيسها. هنا يُختبر استقلال الجهاز: في بقاء الحقيقة ملكًا للمؤسسة، وقدرتها على حملها إلى أي مسؤول، وفي تراكم خبرتها بدل توزيعها بين ولاءات تتنازعها.

هذا ما أقصده بالسيادة البصرية: أن تملك الدولة قدرة مستقلة على معرفة ما يهددها، والتحقق مما يصلها، وتقدير ما ينبغي فعله. تتسع هذه القدرة بالتعاون وتبادل الخبرات، وتبقى للعراق سلطة السؤال والفحص والاستنتاج. فالمعلومة التي يقدمها شريك تُقرأ في ضوء مصالحه أيضًا. وكلما أبصرت الدولة الخطر مبكرًا، ضاقت قدرة الآخرين على مباغتتها.

واستقلال المعرفة يحتاج إلى سلطة تنفذ مقتضاها. حين يصل التحذير ويتعطل القرار أمام نفوذ يحمي مصدر الخطر، يغدو السؤال: مَن منع الدولة من استخدام ما تعرفه؟ وحين تضيع المهلة بين جهات تتنازع الاختصاص، ينتقل الخلل من نقص المعلومات إلى تعطيل المسؤولية. عندها تستوجب المحاسبة معرفة مَن علم، ومَن قرر، ومَن امتنع عن الفعل. فالتقرير الذي يبقى في الدرج لا يحمي شارعًا.

حماية القرارا

من هذه النقطة يبدأ الحياد المسلّح: قدرة الدولة على حماية قرارها بالبقاء خارج الحرب، ومنع استغلال أرضها وأجوائها لجرّها إليها. أساسه وحدة القرار، وأدواته الدفاع والإنذار والدبلوماسية. تزدحم البلاد أحيانًا بالأسلحة ويبقى حيادها عاجزًا، لأن لكل سلاح جهة تقرر متى تطلقه ولحساب مَن. كثرة السلاح تمنح أصحابه قوة، ووحدة سلطته تمنح الدولة قدرة. والفرق بينهما يُقاس بحرية العراقيين في اختيار السلم.

والامتحان عراقي في الاتجاهات كلها. حماية الجوار من اعتداء ينطلق من أرض العراق تقابلها حماية العراق من انتهاك أرضه وسمائه. حسن الجوار لا يمنح أحدًا حق التصرف بأمن جاره، والقضية العادلة لا تمنح تنظيمًا مسلحًا تفويضًا بالحرب نيابة عن شعب كامل. مَن يطلق النار خارج قرار الدولة يفرض على الناس فاتورة حرب لم يختاروها، ويصادر حقهم في السلم. ومسؤولية الحكومة تبدأ بمنع هذه المصادرة.

وللحياد كلفة تظهر في أولويات الدولة وموازناتها. تتطلب حماية القرار كفاءات مؤهلة، ورصدًا ودفاعًا، ومرافق حيوية مؤمّنة، وتعاونًا يوسع القدرة الوطنية. ويبدأ الإنفاق المسؤول بمعرفة الفجوات وترتيب معالجتها. كل مال يُهدر في بناء الحماية يترك حياةً أكثر انكشافًا للخطر. والطمأنة التي تخفي النقص تؤجل اكتشافه إلى لحظة يدفع فيها الناس ثمنه. الاعتراف بالحدود القائمة يتيح تجاوزها؛ وإنكارها يمنح الخطر فرصة إضافية.

لأهل بغداد حق في سماء لا تفرض عليهم انتظار الحطام، وفي مؤسسات تجعل يومهم العادي ممكنًا. لصاحب المتجر حق في رزق لا تقطعه مغامرة، وللعامل حق في العودة إلى بيته، وللطالب حق في مستقبل يتسع لما يحلم به. هؤلاء يمنحون الأجهزة والموازنات والخطط معناها. المواطن لا يحتاج إلى معرفة أسرار الجهاز؛ يحتاج إلى أن تؤدي تلك الأسرار وظيفتها في حمايته. تلك حصيلة الأمن التي تستحق أن تُقاس.

سألنا من قبل: كم يومًا تستطيع الدولة أن تصمد؟ ونتقدم اليوم إلى ما يسبق الصمود: كم تملك من المعرفة والقدرة كي تمنع استدراجها إلى الكارثة؟

تولّي الجهاز خطوة تُقاس بما تبنيه من مؤسسة، والانسحاب حدث يُقاس بما يعقبه من قدرة. والحياد قدرة تُبنى قبل أن يكون بيانًا يُتلى.

السيادة عينٌ ترى، ويدٌ تنفّذ، وأمٌّ تعبر الشارع بطفلها آمنة.

 


مشاهدات 29
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/11/02 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/11/03 - 1:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 191 الشهر 4616 الكلي 16655150
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/11/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير