العراق .. جدارة أم ولاء ؟
حسين حاج جلال الكناني
قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قولا مأثورًا: «ما أفسد أمر قوم إلا من يضع الأمور في غير أهلها: يضع الصغير مكان الكبير، والعالم مكان الجاهل، والتابع في مكان الوالي». هذه الحكمة المتداولة نوردها هنا لما لها من قيمة.
إذا طبقنا هذه الحكمة على واقع العراق، فإن «الصغير» لا يقصد به الأصغر سنًا، ولا «الكبير» الأكبر سنًا. المعنى الأهم هو وضع شخص قليل الخبرة في منصب يتطلب خبرة واسعة، أو تجاهل أصحاب الكفاءة عند اختيار المسؤولين. فالوظائف العامة ليست مكافآت سياسية، بل هي مسؤوليات تتطلب معرفة بالقطاع والقدرة على اتخاذ القرارات. يشير تقرير مؤشر التحول التابع لمؤسسة برتلسمان عن العراق لعام 2026 إلى أن المحسوبية تؤثر في شغل بعض الوظائف، كما أن تضخم الجهاز الحكومي وسوء إدارته يؤثران سلبًا على كفاءة الخدمات.
ويرى المواطن أثر ذلك في حياته اليومية بتعطل المعاملات، تأخر المشاريع، وعدم تحسن الخدمات رغم الإنفاق عليها.
أما «وضع الجاهل مكان العالم»، فلا يعني بالضرورة أن المسؤول لا يحمل شهادة. قد يمتلك الشخص مؤهلات علمية، لكنه يفتقر للخبرة اللازمة لإدارة مؤسسة، أو لا يستمع للمختصين. تكمن المشكلة حين يصبح القرب من صاحب النفوذ أهم من فهم العمل، وحين يُهمّش الموظف الكفء لعدم امتلاكه دعمًا سياسيًا.
تنافس حزبي
يوثق تحليل لمركز تشاتام هاوس لتعيينات الدرجات الخاصة كيف دخل التنافس الحزبي للمواقع الإدارية العليا، مما أضعف قدرة بعض الوزراء على إدارة مؤسساتهم. من ناحية أخرى، تظهر دراسة أكاديمية عن إقليم كردستان أن التعيينات قد تجمع بين الكفاءة والاعتبارات السياسية. هذا يعني أن المسألة ليست دائمًا إقصاءً كاملًا للخبرة، بل اختلال في التوازن حين يتقدم الولاء عليها.
يصبح التحذير من «وضع التابع في القيادة» واضحًا حين نفهم التابع على أنه من لا يملك قرارًا مستقلاً، أو يقدّم رضا الجهة التي رشحته على مصلحة المؤسسة. المدير الذي ينتظر التعليمات من خارج دائرته، أو يتردد في الاعتراض على قرار خاطئ، لا يستطيع محاسبة المقصرين ولا الدفاع عن المال العام. في دولة تتوزع فيها المؤسسات بين قوى سياسية متعددة، قد تتراجع المسؤولية الوطنية أمام حسابات الجهة التي تملك النفوذ. عندها تصبح المؤسسة ساحة صراع، بدلًا من أن تكون جهة تقدم خدمة متساوية للعراقيين.
لكن المشكلة لا تُحل بمجرد تغيير الأسماء أو رفع شعار «التكنوقراط». المطلوب قواعد واضحة ومعلنة للتعيين والترقية، واختيار قائم على الخبرة والسجل المهني، مع رقابة ومحاسبة لا تتوقف عند الموظف الصغير. يجب أيضًا حماية المختص من الضغط السياسي، وإتاحة الفرصة له ليقول إن القرار غير مناسب قبل أن يتحول الخطأ إلى خسارة عامة.
العراق لا ينقصه العقول ولا الخبرات؛ لكن الكثير منها يتبدد حين لا تصل إلى المواقع التي تستحقها. معنى الحكمة، بعيدًا عن الجدل حول نسبتها، هو أن صلاح الحكم يبدأ من حسن اختيار من يتولى المسؤولية: من يعرف عمله، ويملك قراره، ويُحاسَب على النتائج.