الأحزاب العراقية.. مشاكل وتحديات
زيد شحاثة
بالرغم من كل الهجمات التي تتعرض لها الأحزاب السياسية، والمطالبات الساذجة بإلغائها، لكننا يجب أن نفهم أن أي نظام حكم ديمقراطي، لا يمكن تصوره دون وجود أحزاب سياسية.. على الأقل هذا ما أثبتته التجارب السياسية التي مر بها العالم منذ ظهور أنظم الحكم المختلفة في العصر الحديث، وتصدر الديمقراطية كآلية حكم طبقها الغرب قبلنا، ويريد تصديرها لنا، والعمل لخلق مقبولية بل ومطالبات شعبية لها..
تعد التجربة السياسية العراقية فتية وتنقصها الخبرة المتراكمة، خصوصا فيما يتعلق بأحزاب ما بعد عام 2003، بإعتبار أن الأحزاب التي عملت بدايات تأسيس الدولة الحديثة بعد عام 1921، لم يعد لها وجود ، والحديثة منها لم تكمل إلا عشرين عاما بالكاد، في مسيرة مليئة بالتعثر والسقطات.. ورغم أن تلك المدة قد لا تكون كافية للحديث عن نجاح أو فشل، لكنها تتيح إعطاء ملاحظات وتقييم يفيد في تقويم تلك المسيرة، إن كانت هناك رغبة جادة وحقيقية لذلك..
عانت الأحزاب من مشاكل بنيوية، وأخرى تتعلق بفكرة وفلسفة الحزب أو التيار، ومشروعه الذي وجد لأجله.. وتظهر الأرقام أن هناك ما يقارب (350) حزب وتيار مسجلين رسميا، فيما شاركت ما يقارب (50) منها في أخر انتخابات أجريت، والواقع أثبت أن أقل من (7) منها إمتلكت 90% من النواب والمسؤولين في مختلف مفاصل الدولة.. وهي قضية تبين سهولة تكوين حزب، فمتطلبات ذلك هي دفع مبلغ (25) مليون دينار و(7) افرد مؤسسين، و(2000) عضو يمكن الإستغناء عنهم لاحقا بسهولة، وهي شروط تتيح لأي تاجر بسيط تأسيس حزب!
ما يلاحظ في أهم الأحزاب المتحكمة بالوضع السياسي للبلد، وضوح ظاهرة " الأسرية" أو " الزعامة" وهي حالة ليست فريدة عندنا، فهناك أسر كثيرة إمتهنت السياسة كأفراد أو أجيال، كأسرة روزفلت وكنيدي وبوش في أمريكا، وترودو في كندا ونهروا في الهند وباباندريو في اليونان.. علما أن هؤلاء فازوا بالزعامة من خلال الكفاءة وإنتخابات عامة ومال طبعا، لكن أغلبهم لم يجير السلطة لتمكين أبنائه وأصهاره أو أبناء الأسرة من مناصب السلطة ومفاصلها.. وهو أمر لا يمكن نفي حصوله عندنا بل وبكثرة..
يرى تقرير لمعهد الشرق الأوسط للدراسات، أن معظم الأحزاب الكبرى لم تشهد تغييرات فعلية في قياداتها وزعاماتها نتيجة انتخابات داخلية، وأن مؤتمراتها الحزبية "إن عقدت" كانت في كثير منها أقرب لمناسبات إعلامية منها لآليات للمساءلة والتقييم، وهي قضية ستكون لها أثار سلبية على المدى الطويل على الحزب نفسه، فرغم إمكانية أن يكون للزعامات دور تاريخي وحقيقي، ربما لرمزيتها أو دورها المستمر في التأثير الحقيقي، لكن غياب أليات محاسبة وتقويم حقيقي ومنتج، يجعل وجود تلك الزعامات ومبادئها محل تساؤل وتشكيك، وذوبان تدريجي لذلك الحزب أو التيار..
إنعكست تلك المشكلة بدرجة أعمق في كثير منها، فولدت طبقة " دائمة" من قيادات تلك الأحزاب هي من تتولى كل المناصب المهمة التي ينالها، سواء كانت نيابية أو تنفيذية أو حتى حزبية داخلية.. وكأنها حلقة مغلقة تتخادم فيما بينها، ومن يريد الدخول أو تجاوزها، فلابد أن يكون من ضمن هذا الجناح أو ذاك، في ظاهرة بدأت تتفاقم وعرفت باسم " اللوبيات".. وهذه الأخيرة صارت متحكمة إلى درجة أنها، تفرض مصالحها وما تريده على الزعيم نفسه!.. وهي تظهر بوضوح فشل تلك الأحزاب والتيارات في خلق قيادات جديدة، أو أنها بيئة طاردة للكفاءات
تظهر دراسة نشرها معهد كارنيغي للسلام، أن هناك ما لا يقل عن (50) مرشحا من أقارب وأسر الزعماء، تم ترشيحهم خلال إنتخابات مجالس المحافظات عام 2023، وفاز منهم كثيرون، وتظهر إحصائيات أخرى أن هناك 24% من مواطني إقليم كردستان، نالوا وظيفة من خلال تأثير حزبي أو زعامة ما، ، ناهيك عن الإعلان الرسمي لتولي أبناء وأقارب الساسة والزعماء للمناصب المهمة والحساسة والدبلوماسية، خصوصا ما كان منها مخفيا وغير معلن، كما نشرت تسريبات عن وجود تجمعات ومنتديات ولقاءات خاصة تضم "أبناء" المسؤولين والزعماء والساسة الكبار .. وهذه مؤشرات خطيرة، تبين أن تلك الزعامات أما لا ترى في أتباعهم الكفاءة المطلوبة، أو أنها تبحث عن ولاء أسري مضمون، أو أنها تريد تهيئة أعضاء الأسرة للزعامة القادمة، وكل تلك الإحتمالات فيها مساوئ لا تخفى..
مشكلة أخرى تقع ضمن نفس السياق، تتمثل في تأسيس حزب أو تجمع لكل مسؤول سابق، يبنيه ويموله منتفعا من سلطته هو وأتباعه، فإذا خرج من المنصب، رشح كزعيم حزب وصار ممن يتحكمون بالقرار من " كبار الطاولة المستديرة" حتى لو تفكك حزب وما عاد يملك إلا بضعة مقاعد، وكأن تلك " الزعامة" هي أمر بديهي بحكم كونه "قائدا" سابقا .. لا لأنه يمتلك مقاعد تمثل جمهورا خوله تمثيلهم بإتخاذ قرار..
من جانب أخر، تظهر تلك الحالات أن الجمهور لدى معظم تلك الأحزاب والتيارات، هو رقم أو ورقة إنتخابية بحته، ولا يتعلق الموضوع بواقعه بعقيدة وفكر أو مشروع يحمله ويريد تطبيقه، بل هم وسيلة لنيل السلطة والمنصب المتعلق بها، والمحصورة لأسرة ومتعلقي الزعيم وطبقة قياداته المقربة الموالية لشخصه، ولا علاقة للكفاءة والتخصص والولاء الفكري أو الحزبي والتياري، وهي حالة أثبتها تراجع أعداد تنظيمات الأحزاب والتيارات، بل وتناقص جمهورها بشكل واضح وفاضح، ويمكن ملاحظة عدد الأصوات التي ينالها كل منها خلال الإنتخابات ومقارنتها بما سبقها..
وتبقى أم المشاكل وأظهرها والمرتبطة بكل ما سبق ذكره، ظاهرة الفساد المستشري داخل تلك الأحزاب، وهو نتيجة طبيعية لتمكن طبقات ضيقة فيها من التحكم بقرارها الداخلي وإمتلاك المنصب ومنافعه، وطبعا ما يقع تحته من مشاريع، تدر المال.. ناهيك عن غياب أليات الرقابة الحقيقية الفاعلة، لا اللجان الشكلية التي تكون على عجالة لتهدئة الخواطر، وتنفيس الإحتقانات الداخلية " إن حصلت" وما سمعنا بحزب أو تيار لديه جهة رقابة ، تتابع قياداته ومسؤوليه التنفيذيين، وكيفية تغير وأحوالهم المادية، فالمعيار هو رضى الزعيم وحاشيته، وقيادات الطبقة الخاصة " اللوبيات" .. وما أن يسقط فاسد من جهة ما إلا وظهرت تبريرات وتوضيحات، بعد أن تطيح ببعضهم الجهات الأمنية والرقابية، إن كانت هناك حملة يفتتح بها " الحاكم الجديد" حقبته.. وتستمر العملية للحاكم الذي يليه.. مع ملاحظة أن العراق نال (28) نقطة من أصل (100) تمثل المعيار العالمي، ويقبع في المرتبة (136) عالميا حسب تقارير منظمات النزاهة والشفافية العالمية.
كثير من تلك الزعامات تكتفي بجوقة من المنافقين المحيطين بها، ممن أعتادوا الموافقة والخضوع والطاعة، لا للزعيم بشخصه، ولكن لمن يجلس في كرسي الزعامة، وتبدل ولائها وتظهر وجهها الحقيقي لمن سيخلفه "بإفتراض حول ذلك" أو تقفز مع أعلى سعر وأقرب فرصة، وتنتمي لجهة جديدة أو تنشئ حزبا وتصير هي زعامة، لتبحث عن كرسي لها على الطاولة..
يقول كاتب ساخر، أن الزعماء في العالم الثالث، لا يتبدلون من خلال الانتخابات وصراعاتها وتدافعاتها، وإنما من خلال مفاوضات قد تكون داخل أسرة " الزعامة".. لكن هل هذا الواقع البائس، يجعلنا نطالب بغزالة الأحزاب من العمل السياسي!
بما أن الواقع السياسي في كل العالم، يرى أن الديمقراطية هي أفضل نظام حكم متاح حاليا، ولأن الديمقراطية لا تكون إلا بوجود أحزاب، فلا مناص من قبول وجودها، لكن بمعايير وأدوات وآليات وأنظمة عمل، صحيحة وحقيقية ومنصفة وعادلة ومنتجة.. وهذا يتطلب زعامات حقيقية تملك القدرة على الإبتعاد عن "أسريتها" عندما يتعلق الأمر بمستقبل البلد والأمة..