الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق ومعادلة الهشاشة الاستراتيجية

← بواسطة azzaman

العراق ومعادلة الهشاشة الاستراتيجية

بنين الخفاجي

 

     منذ اندلاع الحرب وتصاعد المخاوف من تداعياتها الاقتصادية، حذّرنا مراراً من أن العراق لا يمتلك اقتصاداً متيناً قادراً على امتصاص الصدمات الخارجية، وأن بنيته التحتية والإنتاجية تعاني اختلالات عميقة تجعل أي اضطراب إقليمي أو دولي عبئاً إضافياً على دولة لم تعالج أزماتها الداخلية بعد. تحدثنا عن هشاشة الاقتصاد، وضعف القطاعات الإنتاجية، والاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية، وغياب البدائل القادرة على حماية المواطن من تقلبات الخارج. لكن المشكلة أن المصالح الضيقة كثيراً ما تتقدم على المصلحة العامة، حتى يصبح التحذير من الأزمة أقل أهمية من حسابات من لا يدفعون ثمنها.واليوم، لم تعد المخاوف مجرد توقعات نظرية، بل باتت ملامح الأزمة الاقتصادية أكثر وضوحاً، مع تصاعد الضغوط المعيشية وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد مخاطر الدخول في حالة من الركود التضخمي، حيث تتزامن الضغوط التضخمية مع ضعف النشاط الاقتصادي وتراجع فرص النمو والتشغيل. وهذه من أصعب الحالات الاقتصادية، لأنها لا تستنزف الأسواق فحسب، بل تضرب الاستقرار الاجتماعي أيضاً، ولا سيما حين تكون الدخول محدودة والفرص الإنتاجية ضعيفة.والمفارقة أن المواطن العراقي، الذي لم يكن شريكاً حقيقياً في صناعة القرارات الاقتصادية الكبرى، يجد نفسه اليوم في مقدمة من يتحملون نتائجها. فصاحب المال يمتلك أدوات لحماية ثروته، والقادر على نقل أمواله أو تنويع استثماراته يستطيع تقليل خسائره، أما محدود الدخل فلا يملك ترف الانتظار أو التحوّط؛ إذ تكفيه زيادة أسعار الغذاء أو الدواء أو النقل لتختل ميزانيته الشهرية. وهكذا تتحول الأزمة من أرقام ومؤشرات اقتصادية إلى عبء يومي يقع بأشد صوره على الفئات الأكثر هشاشة.

الهشاشة الداخلية هي ما يضاعف أثر الصدمات الخارجية .من منظور استراتيجي، لا تتحدد قدرة الدول على مواجهة الأزمات بحجم مواردها وحدها، بل بمدى قدرتها على توظيف نقاط قوتها الداخلية، وبناء مؤسسات مرنة، وتنويع مصادر دخلها، وامتلاك بدائل عملية عند وقوع الصدمات. فالدولة التي تمتلك اقتصاداً متنوعاً وبنية تحتية متماسكة وقطاعاً إنتاجياً فاعلاً تستطيع امتصاص جانب من آثار الأزمات الخارجية، بينما تتعرض الدولة الهشة إلى أضرار أعمق، حتى إن كانت تمتلك موارد طبيعية كبيرة.وهنا تكمن إحدى مشكلات العراق الأساسية: وفرة الموارد لم تتحول بالقدر المطلوب إلى قوة اقتصادية مستدامة. فالاعتماد الكبير على النفط، ومحدودية مساهمة الصناعة والزراعة في تنويع الاقتصاد، وتعثر عدد من المشاريع الإنتاجية، وضعف التخطيط طويل الأجل، كلها عوامل تجعل الاقتصاد أكثر تعرضاً للتقلبات الخارجية. إن امتلاك النفط لا يعني امتلاك المرونة الاقتصادية، كما أن زيادة الإيرادات في بعض السنوات لا تعني بالضرورة بناء اقتصاد قادر على الصمود في السنوات الصعبة.ومن ثم، فإن ما نعيشه اليوم لا ينبغي التعامل معه بوصفه أزمة طارئة منفصلة عن سياقها، بل بوصفه اختباراً لقدرة الدولة على تحويل الموارد إلى أمن اقتصادي للمواطن. فالأزمات الخارجية تكشف مواطن الضعف الداخلية، ولا تصنعها جميعاً من الصفر. وكلما تأخر الإصلاح، ارتفعت كلفة المواجهة، واتسعت الفجوة بين إمكانات البلد الفعلية ومستوى معيشة أبنائه.تثبيت سعر الصرف ليس استراتيجية اقتصادية متكاملة إن السياسة النقدية، وفي مقدمتها إدارة سعر الصرف، تمثل أداة مهمة للاستقرار الاقتصادي، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة اختلالات الاقتصاد الحقيقي. فاستقرار السعر الرسمي للدولار لا يكفي إذا ظلت الأسعار مرتفعة، والإنتاج المحلي ضعيفاً، وفرص العمل محدودة، والاعتماد على الاستيراد قائماً على نطاق واسع. كما أن الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، متى اتسعت، تخلق تشوهات في المعاملات وتزيد مخاطر المضاربة، وقد تنعكس آثارها على التاجر والمستهلك معاً. لذلك فإن المطلوب ليس الاكتفاء بالدفاع عن سعر الصرف، وإنما معالجة الأسباب التي تدفع الطلب إلى السوق الموازية، وتوسيع القنوات الرسمية للحصول على العملة الأجنبية، وتعزيز الشفافية والرقابة على التحويلات، وتسهيل الإجراءات المصرفية أمام الأفراد والتجار الملتزمين بالقانون.ومن الحلول التي تستحق الدراسة توسيع منافذ الصرف والتحويل الرسمية عبر المصارف المرخصة، وفق ضوابط واضحة ورقابة فعالة، بما يسهّل وصول المستفيدين إلى العملة بالسعر الرسمي المستحق، ويحد من اعتمادهم على الوسطاء والسوق الموازية. غير أن نجاح هذا الإجراء مشروط بفاعليته وسرعة تنفيذه وعدالة الوصول إليه؛ فلا يكفي فتح المكاتب إذا بقيت الإجراءات معقدة أو كانت قنوات الحصول على الدولار محدودة.إن إدارة الأزمة تتطلب مزيجاً متناسقاً من السياسات النقدية والمالية والإنتاجية، لا حصر النقاش العام في عدد محدود من الإجراءات.فالمشكلة الاقتصادية أكبر من أن تُختزل في سعر صرف أو قرار مصرفي، وأعمق من أن تعالجها حلول مؤقتة لا تمس جذور الاختلال.الإصلاح الحقيقي يبدأ من مراجعة الإنفاق العام.إذا كانت الحكومة تبحث عن حلول تتجاوز الإجراءات الآنية، فإن عليها أن تفتح ملف الإنفاق العام بشجاعة، وأن تراجع أولويات الموازنة، وتعيد تقييم النفقات التي لا تتناسب مع طبيعة المرحلة وحجم التحديات المعيشية. فالأزمة لا تبرر تحميل المواطن أعباء إضافية، بينما تبقى ملفات الامتيازات والمخصصات والنفقات غير الضرورية بعيدة عن مراجعة جادة وشفافة.ومن بين الملفات التي تستحق النقاش العام، الرواتب التقاعدية والامتيازات الممنوحة لبعض شاغلي المناصب السياسية بعد انتهاء مهامهم، وما يرتبط بها من مخصصات وحمايات ونفقات. والسؤال هنا ليس موجهاً ضد شخص بعينه، بل يتعلق بمبدأ العدالة في استخدام المال العام: ما الأساس القانوني والوظيفي لكل استحقاق؟ وهل تتناسب كلفته مع الخدمة العامة التي أُدّيت؟ وهل تخضع هذه الامتيازات للمراجعة والتدقيق مثلما تخضع بقية أبواب الإنفاق؟

إن تولي المنصب العام مسؤولية مؤقتة، ولا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لامتيازات دائمة غير مبررة أو بعيدة عن معايير العدالة والكفاءة. ولذلك فإن مراجعة هذه الملفات يجب أن تتم وفق القانون، وبالاستناد إلى بيانات معلنة، وبما يضمن عدم المساس بالحقوق التقاعدية المستحقة قانوناً، مع منع الهدر والتجاوزات وإلغاء الامتيازات التي لا تستند إلى أساس قانوني واضح.وينطبق المبدأ ذاته على برامج الرعاية الاجتماعية. فهذه البرامج ليست عبئاً ينبغي التخلص منه، بل شبكة حماية أساسية للفئات الفقيرة والأكثر هشاشة. لكن نجاحها لا يُقاس بحجم الأموال المصروفة وحده، وإنما بمدى وصولها إلى مستحقيها، ودقة قواعد الاستهداف، وفاعلية الرقابة، وقدرتها على تخفيف الفقر من دون خلق مسارات للهدر أو التلاعب.إن الإصلاح لا يعني قطع الإعانات عن المحتاجين، ولا تحميل الفقراء مسؤولية الأزمة، بل يعني ضمان وصول كل دينار إلى مستحقه، ومراجعة البيانات بصورة مستمرة، وربط بعض برامج الدعم، حيثما كان ذلك مناسباً، بالتدريب والتأهيل وفرص العمل، من دون حرمان العاجزين عن العمل أو الفئات التي تحتاج إلى حماية مستمرة.

المصانع المعطلة: من الإنفاق الاستهلاكي إلى الإنتاج

كيف يمكن لدولة تمتلك موارد مالية وبشرية أن تظل عاجزة عن تحويل جزء أكبر من إنفاقها إلى فرص عمل وإنتاج محلي؟ ولماذا تبقى منشآت صناعية قادرة على الإسهام في الاقتصاد خارج دائرة التشغيل الفاعل، بينما تستمر الحاجة إلى الاستيراد وتتزايد الضغوط على العملة الأجنبية؟

 

إن إعادة تأهيل المصانع المعطلة أو المتعثرة، بعد تقييم جدواها الفنية والاقتصادية، يمكن أن تكون جزءاً من استراتيجية أوسع لتنويع الاقتصاد. فبدلاً من الاقتصار على تمويل الاستهلاك، تستطيع الدولة توجيه استثمارات مدروسة إلى قطاعات إنتاجية قابلة للاستمرار، وتوفير بيئة مناسبة للشراكة مع القطاع الخاص، وربط التمويل بمؤشرات واضحة للإنتاجية والتشغيل والجودة.ولا يعني ذلك تحويل أموال الرعاية الاجتماعية مباشرة إلى تمويل المصانع أو الانتقاص من حقوق المستفيدين؛ فلكل منهما وظيفة مختلفة في السياسة المالية. بل المطلوب إعادة ترتيب الأولويات العامة، وتقليص الهدر، وتوجيه الموارد المتاحة للاستثمار الإنتاجي من دون إضعاف شبكة الحماية الاجتماعية. فالدولة الرشيدة لا تختار بين حماية الفقير وتشغيل المصنع، وإنما تعمل على بناء اقتصاد يضمن الحماية الاجتماعية اليوم، ويوسع فرص العمل والإنتاج غداً.كما أن تشغيل المصانع لا يتحقق بمجرد إصدار القرارات أو ضخ الأموال. إنه يتطلب دراسات جدوى، وإدارة كفوءة، ومكافحة للفساد، وتحديثاً للتكنولوجيا، وتسويقاً للمنتجات، وحماية تنافسية متوازنة للإنتاج المحلي. أما ضخ الأموال في مشاريع غير مدروسة، أو تركها رهينة المحاصصة وسوء الإدارة، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها.

الفساد الإداري: العائق الذي يفرغ الإصلاح من مضمونه

قد تمتلك الحكومة خططاً اقتصادية جيدة، وقد تتوافر الموارد اللازمة لتنفيذها، لكن كل ذلك يفقد قيمته إذا بقي الفساد الإداري والمالي قادراً على تعطيل القرارات أو تحويل المشاريع العامة إلى فرص للمنفعة الخاصة. فالمشكلة ليست دائماً في نقص الأموال، بل في كيفية تخصيصها وإنفاقها، وفي قدرة المؤسسات على محاسبة المقصرين ومنع تضارب المصالح.ولهذا لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي من دون إصلاح إداري ومؤسسي يضمن الشفافية، ويعزز الرقابة، ويكشف تفاصيل الإنفاق العام، ويقيس النتائج الفعلية للمشاريع. كما أن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تبقى شعاراً يُرفع عند اشتداد الأزمات، بل يجب أن تتحول إلى إجراءات قابلة للقياس، تبدأ من نشر البيانات المالية، وتمر بتدقيق العقود والمخصصات، وتنتهي بمساءلة المسؤولين عن الإخفاق والهدر.إن إدارة الأزمات لا تعني فقط اتخاذ قرارات سريعة، بل تعني ترتيب الأولويات وفق حجم الضرر المتوقع، وحماية الفئات الأكثر تضرراً، واختيار الإجراءات التي تعالج الأسباب لا الأعراض. أما الحلول الترقيعية، مهما بدت سهلة أو سريعة، فلن تكون كافية ما لم ترتبط بخطة اقتصادية واضحة تتضمن أهدافاً زمنية ومؤشرات أداء وآليات للمحاسبة.

سيادة رئيس الوزراء المحترم: رفقاً بالشعب

إن العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الوعود بقدر حاجته إلى رؤية اقتصادية تتعامل مع الأزمة بحجمها الحقيقي. رؤية تدرك أن سعر الصرف جزء من المشكلة وليس كل المشكلة، وأن تخفيف الضغط عن المواطن لا يتحقق بتوجيه النصائح إليه وحده، بل بقرارات تعيد ترتيب الإنفاق، وتوسع فرص العمل، وتعيد الحياة إلى الإنتاج المحلي، وتحمي الفئات الفقيرة، وتضع حداً للهدر والامتيازات غير المبررة.

لقد دفع المواطن العراقي أثماناً باهظة نتيجة أزمات لم يكن طرفا فيها.


مشاهدات 117
الكاتب بنين الخفاجي
أضيف 2026/11/02 - 2:42 PM
آخر تحديث 2026/11/03 - 1:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 191 الشهر 4616 الكلي 16655150
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/11/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير