العراق ودوامة الصراع بين النأي بالنفس وخرق السيادة
فاضل الغراوي
يقف العراق اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات الإقليمية حساسية، حيث تتشابك المصالح الدولية والإقليمية، وتتسع دوائر المواجهة، وتتراجع المسافة الفاصلة بين الصراع الخارجي والاستقرار الداخلي. وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد السؤال مقتصرا على قدرة العراق على تجنب الانخراط في المواجهات، بل أصبح يتعلق بقدرته على حماية سيادته ومنع أراضيه من التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وارتباطاته السياسية والاقتصادية، ليس بعيدا عن تداعيات الصراع، حتى إن اختار الوقوف على مسافة واحدة من أطرافه. وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية: كيف يستطيع العراق أن يكون خارج دائرة الحرب، فيما تتقاطع فوق أرضه وحول حدوده إرادات متعارضة ومشاريع متنافسة؟
إن سياسة النأي بالنفس ليست موقفا سلبيا أو انسحابا من المسؤولية، بل يمكن أن تكون خيارا استراتيجيا لحماية المصالح الوطنية وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم الدولة ولا مواطنيها. غير أن نجاح هذا الخيار يتوقف على امتلاك أدواته، وفي مقدمتها وحدة القرار السياسي والأمني، ووضوح الموقف الرسمي، والقدرة على ضبط استخدام الأراضي والأجواء العراقية في أي مواجهة إقليمية. فالدولة التي تعلن الحياد، لكنها لا تستطيع منع انتهاك سيادتها، تجد نفسها أمام فجوة بين موقفها السياسي وواقعها الميداني. ومن ثم، فإن النأي بالنفس لا يكتسب قيمته من التصريحات وحدها، بل من قدرة العراق على تحويله إلى سياسة فاعلة تحظى باحترام الأطراف الأخرى، وتستند إلى مؤسسات قوية وإرادة وطنية موحدة.
يمتلك العراق فرصة حقيقية لتوظيف موقعه وعلاقاته المتعددة في بناء دبلوماسية مرنة لا تقوم على الاصطفاف، بل على التواصل مع مختلف الأطراف، واحتواء التوترات، وفتح قنوات الحوار حين تتعطل لغة التفاهم. وهذه الدبلوماسية لا تعني الوقوف في منطقة رمادية أو تجنب اتخاذ المواقف المبدئية، وإنما تعني التمييز بين حماية المصالح الوطنية والانخراط في محاور الصراع. فبإمكان بغداد أن تؤدي دور الوسيط، وأن تدعو إلى التهدئة، وأن توظف علاقاتها العربية والإقليمية والدولية للحد من احتمالات التصعيد. لكن الدبلوماسية، مهما بلغت مرونتها، لن تكون كافية إذا لم تقترن برسائل واضحة بشأن حرمة السيادة العراقية، وبقدرة الدولة على ترجمة مواقفها إلى إجراءات عملية. فالتوازن الناجح ليس أن ترضي جميع الأطراف، بل أن تمنع اختلافاتهم من التحول إلى تهديد مباشر لأمن العراق.
تتعرض سياسة النأي بالنفس لاختبار حقيقي عندما تصبح السيادة الوطنية موضع انتهاك، سواء عبر الاعتداءات العسكرية أو استخدام الأراضي والأجواء العراقية في عمليات مرتبطة بصراعات خارجية، أو اتخاذ قرارات أمنية وعسكرية خارج إطار مؤسسات الدولة. وفي هذه الحالات، لا يعود الأمر مجرد اختلاف في الحسابات السياسية، بل يتحول إلى مسألة تتصل بجوهر الدولة وحقها في حماية إقليمها وسكانها. فالسيادة ليست شعارا يرفع عند الضرورة، وإنما التزام دستوري وقانوني ومبدأ أساسي في العلاقات الدولية. كما أن احترامها لا يتجزأ، ولا يجوز إخضاعها لمعايير مزدوجة تبعا لهوية الطرف المنتهك أو طبيعة علاقته بالعراق. لذلك، فإن المطلوب موقف وطني واضح يرفض كل انتهاك، مع الاحتفاظ بحق الدولة في اختيار الوسائل القانونية والدبلوماسية والأمنية المناسبة لمعالجته، بعيدا عن ردود الفعل المتسرعة التي قد توسع دائرة المواجهة.
إن الخطر الأكبر لا يكمن بالضرورة في إعلان العراق انحيازه إلى طرف دون آخر، بل في أن يجد نفسه منخرطا في الصراع من دون قرار وطني جامع. فالتصعيد المتبادل، وتعدد مراكز التأثير، وتداخل المصالح الإقليمية، كلها عوامل قد تضيق مساحة المناورة أمام بغداد، وتجعلها عاجزة عن التحكم في توقيت المواجهة أو حدودها أو نتائجها. وعندما تتحول الأراضي العراقية إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية، فإن كلفة الصراع لا تقتصر على الخسائر الأمنية، بل تمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والخدمات وثقة المواطنين بقدرة الدولة على حمايتهم. كما أن الانقسام الداخلي بشأن المواقف من أطراف الصراع قد يضعف الموقف التفاوضي العراقي ويمنح القوى الخارجية فرصا أوسع للتأثير في قراره الوطني. ولهذا، فإن منع الانزلاق إلى الإعصار يتطلب تحصين الجبهة الداخلية، وتوحيد الخطاب الرسمي، وتعزيز سلطة المؤسسات الدستورية، والتعامل مع المخاطر قبل أن تتحول إلى وقائع يصعب احتواؤها
إن مستقبل العراق في دوامة الصراع لن تحدده التصريحات التي تعلن الرغبة في تجنب الحرب، بقدر ما تحدده قدرة الدولة على فرض احترام سيادتها، وتوحيد قرارها، وإدارة علاقاتها الخارجية باستقلالية ومسؤولية. فالعراق لا يحتاج إلى الاختيار بين الانعزال عن محيطه والانخراط في محاور متصارعة، بل يحتاج إلى مسار ثالث يقوم على الحضور الدبلوماسي الفاعل، والرفض الصريح لانتهاك السيادة، وبناء علاقات متوازنة تحفظ المصالح الوطنية. وقد تنجح بغداد في إبقاء البلاد خارج المواجهة إذا استطاعت تحويل الدبلوماسية المرنة إلى استراتيجية متكاملة، مدعومة بإرادة سياسية موحدة ومؤسسات قادرة على تنفيذ قراراتها. أما إذا بقيت المسافة واسعة بين القرار المعلن والقدرة على فرضه، فقد يجد العراق نفسه داخل إعصار لم يختر الدخول فيه، لكنه سيدفع أثمانه. إن التحدي الحقيقي أمام العراق اليوم ليس أن يثبت لمن يقف، بل أن يثبت أنه يقف مع دولته، وأن قراره الوطني وسيادته ليسا ورقة في حسابات الآخرين.