الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحُرُّ مَنْ رَاعَى وِدَادَ لَحْظَةٍ

بواسطة azzaman

الحُرُّ مَنْ رَاعَى وِدَادَ لَحْظَةٍ

عماد يوسف خورشيد

 

الثابت أن التعاملات بين الناس لكي تستقر لا بد من وزن الأفعال في ميزان القيم قبل البدء بتنفيذها، وهو ضابط أساسي في تنظيم عمل غرائز النفس الإنسانية، ومن القيم التي نتوقف عندها في هذا المقام قيمة الوفاء.

يعرف الوفاء في اللغة بأنه إتمام الشيء وإكماله، فيقال: وفى بعهده يفي وفاء، أي أتم عهده ولم ينقضه، ويقال للرجل: وفي، إذا كان كثير الوفاء. كما يستعمل الوفاء للدلالة على الخلق الرفيع والشرف في التعامل مع الآخرين. ويقابل الوفاء الغدر، وهو الإخلال بالأمانة، ونقض العهود، والتنصل من الوفاء بالوعود والالتزامات المشروعة تجاه الآخرين، بما يتعارض مع القيم الإنسانية والأخلاقية. ولعظم منزلة الوفاء وخطورة الغدر، حذر النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم منه، فقال: "لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان".

ومما نقف عنده أن الإنسان قد يرى في الواقع، عند تعامله مع الناس، حالاتٍ كثيرةً لتطبيق قيمة الوفاء، تتجلى في أخلاقهم الحسنة من خلال التمسك بالالتزامات التي تفرضها التعاملات. ويعود سبب ذلك إلى البيئة النظيفة النقية السليمة التي نشؤوا فيها. وفي المقابل، يُلاحظ أن بعض الناس لا يلتزمون بقيمة الوفاء، لا من قريب ولا من بعيد، ويعود سبب ذلك أيضًا إلى البيئة، ولكنها هنا البيئة الملوثة بسوء الخُلُق وغياب الالتزام بالقيم الإنسانية.

ومما ينبغي أن نقف عنده صورُ الوفاء التي تتجلى في الخُلُق الجميل، ونذكر منها: الوفاء مع الوالدين وبرُّهما؛ لما لهما من حقوقٍ كثيرةٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى في تربية الأبناء ورعايتهم. وكذلك الحفاظ على قدسية عقد الزواج الذي يتم بين رجلٍ وامرأة، وعدم إقامة علاقاتٍ غير مشروعة لإشباع الغريزة الجنسية. والوفاء بجميع عقود البيوع المشروعة، والوفاء بحقوق الزمالة التي تنشأ في العمل، والوفاء بحق الجيران، وحق الصداقة، وحق الأقارب، والوفاء لمن قدَّم لك أيَّ معروف.

وفي مقابل ذلك، يُلاحظ لدى بعض الناس أنه، على الرغم من وجود حقوقٍ كثيرةٍ تجمعهم بالآخرين، وما بينهم من تبادلٍ للمواقف الإنسانية في الفرح والحزن، فإنهم إذا تعارضت مصالحهم، أو نُقل لهم خبر كاذب، أو أنهم ينظرون إلى آخر موقفٍ صدر من الشخص، دون التحقق من نيته وسبب هذا السلوك؛ ألغوا كل قيمةٍ للوفاء، وظهر في سلوكهم كل ما تُضمره النفس الأمارة بالسوء من قطيعةٍ وحقدٍ وحسدٍ ومشاجرة، مع نسيان جميع المواقف الإنسانية السابقة، ومن ابرزها نسيان الوفاء للزاد والملح وما يترتب عليه من عهد بالوفاء. وهذا سلوكٌ ترفضه الإنسانية؛ لما ينجم عنه من مشكلاتٍ وجرائم، وما يترتب عليه في الغالب من تدخل القضاء لفضِّ الخلافات.

ولمعالجة هذه الإشكالية، لا بد من التأكيد أن هذه المعالجة لا تؤتي ثمارها إلا مع من يدرك حقيقة الوفاء بالحقوق ويستشعر قيمته، أما من لا يعبأ بهذه المعاني، أي من لا يحمل القيم الانسانية، فإن الهجر الجميل يظل الخيار الأمثل حفاظًا على استقرار النفس والأسرة والمجتمع، والمحاكم كفيلة بحل النزاع ان نشب خلاف مع هؤلاء، كون القضاء هي حامية الحقوق والحريات. وتبدأ المعالجة بجعل القيم معيارًا حاكمًا للسلوك، وترجمتها إلى ممارسات أخلاقية في الحياة اليومية، وفي مقدمة هذه القيم قيمة الوفاء. كما تتطلب تربية النفس على استحضار حقوق الآخرين، وتذكر مواقفهم وإحسانهم، وعدم الانسياق وراء الأحكام المسبقة. وإذا سمع المرء افتراءً على أحد، فإن الإنصاف يقتضي الاستماع إلى الشخص المُفترى عليه، أو التثبت مما نُقل عنه، إذ إن الاستماع إلى جميع الأطراف هو الأساس الذي تُبنى عليه الأحكام العادلة.

ونرى أن عنوان مقالتنا التي استخلصناها من قول العالم الجليل محمد بن إدريس الشافعي( رحمه الله) "الحر من راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة" ما هي إلا درة من درر القيم التي لا بد من أن تُدرس في أخلاقيات الحياة والوظيفة والمهنة والحرفة. فالإنسان الكريم والأصيل يحفظ المودة ويدوم على الوفاء لمن عاشره أو التقاه، حتى وإن كانت فترة اللقاء أو الصحبة قصيرة جدًا (لحظة) لأن ابن الأصول لا ينسى فضل من علّمه شيئًا، أو وقف معه في موقف إنساني معين في يوم من الأيام ولو كان هذا الفضل مجرد كلمة واحدة أفادته علمًا أو حكمة.

الجامعة التقنية الشمالية/ كركوك


مشاهدات 97
الكاتب عماد يوسف خورشيد
أضيف 2026/06/27 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/06/28 - 12:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 48 الشهر 26502 الكلي 15901983
الوقت الآن
الأحد 2026/6/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير