بين الواقعية والعقل الجمعي
أياد بنيان
ليس كل إخفاق فضيحة وليس كل خسارة تستحق المقصلة فما جرى لمنتخب العراق في كأس العالم لا يبرر هذا السيل من التجريح الذي طال المدرب واللاعبين فمن يتحدث بإنصاف يدرك أن هذا المنتخب بلغ المونديال بعد معاناة طويلة وأن سقف إمكاناته الفنية كان معروفاً قبل أن تنطلق البطولة ولم يكن فجأة مرشحاً لمقارعة كبار العالم لمجرد أنه ارتدى قميص العراق.
المشكلة ليست في الخسارة وحدها بل في ثقافة اعتادت أن تصنع توقعات أكبر من الواقع ثم تبحث عن ضحية عندما تصطدم الحقيقة بالأمنيات وكأن المطلوب من منتخب محدود الإمكانات أن يهزم مدارس كروية تم بناؤها عبر عقود وإلا استحق لاعبوه الإهانة ومدربه الإقصاء.
أما المدرب فإن الحكم عليه ينبغي أن يكون بما يزرعه لا بما تحصده مباراة أو بطولة فبصمته في بناء هوية للفريق وفي تنظيم الأداء وفي إعادة تشكيل الشخصية الفنية كانت واضحة لمن ينظر بعين الكرة لا بعين الانفعال والفرق الكبيرة لا تبنى بين ليلة وضحاها بل تنمو بالتراكم والصبر والاستقرار.
والمؤسف أن كثيراً من المحللين انساقوا خلف العقل الجمعي فغلبتهم موجة الغضب على ميزان التحليل وتحولت الشاشات إلى منصات للجلد بدل أن تكون منابر للفهم والنقد المسؤول.
والنقد حق لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى تجريح ويخسر رسالته عندما يصبح استجابة للعاطفة لا للعقل.
إذا أردنا لكرة القدم العراقية أن تتطور فعلينا أولاً أن نتطور نحن في ثقافة التعامل مع الفوز والخسارة، فالواقعية ليست استسلاماً وإنما هي البداية الصحيحة لأي مشروع ناجح أما صناعة الأوهام ثم محاسبة الآخرين على عدم تحقيقها فهي أقصر الطرق إلى هدم كل مشروع قبل أن يكتمل وربما آن الأوان أن ندرك أن بناء منتخب وطني لا يحتاج إلى غضب بعد كل خسارة بقدر ما يحتاج إلى صبر وثقة واستمرار لأن الأمم الكروية لم تصل إلى القمة بالصراخ وإنما وصلت إليها حين احترمت الواقع ثم عملت على تغييره.
□ مستشار رئيس الوزراء لشؤون الشباب والرياضة