الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل قتل الروادُ المثقفَ العراقي الجديد؟


هل قتل الروادُ المثقفَ العراقي الجديد؟

ياسين غالب

 

في البداية،هل يختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي؟ وما وجه الاختلاف إذا افترضنا وجود اختلافات فعلية بينهما؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى إشكاليًا، لأن المثقف العراقي هو في نهاية المطاف جزء من الفضاء الثقافي العربي، ويتشارك معه اللغة والمرجعيات الكبرى والأسئلة الحضارية ذاتها. ومع ذلك، فإن خصوصية التجربة العراقية خلال العقود الخمسة الأخيرة تجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت هذه التجربة قد أنتجت نموذجًا مختلفًا للمثقف العراقي، أو على الأقل فرضت عليه شروطًا تاريخية ومعرفية تختلف عن تلك التي عاشها نظيره العربي في بلدان أخرى.

 

برأيي المتواضع، ما تزال المرجعيات الفكرية للمثقف العراقي محكومة إلى حدٍّ بعيد بإرث الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ولا أقصد بذلك التقليل من قيمة تلك المرحلة أو منجزاتها الفكرية والأدبية، بل الإشارة إلى أن الكثير من التصورات والأسئلة والأسماء التي شكلت الوعي الثقافي العراقي آنذاك ما تزال تحتل موقع المركز في المخيال الثقافي العراقي حتى اليوم.؟لاننسى أن هناك تحشيد حزبي ثقافي يساري يميني ( قومي) تشكل منذ الخمسينات من القرن الماضي في العراق وكان  من أشهر ضحاياه الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب.

 

كذلك ،ربما يعود ذلك التباين العربي العراقي في المنجز الثقافي إلى وجود فجوة تاريخية امتدت لما يقارب عقدين من الزمن، بدأت بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وتواصلت مع سنوات الحصار الاقتصادي والثقافي التي لم تؤدِّ فقط إلى إنهاك المجتمع والدولة، بل أسهمت أيضًا في قطع الكثير من قنوات التواصل المعرفي والثقافي مع العالم العربي والعالم الأوسع. وخلال تلك الفترة، شهدت الساحات الثقافية العربية تحولات فكرية ومنهجية وجمالية متسارعة، بينما كان المثقف العراقي منشغلًا بمواجهة تداعيات الحرب والعزلة والانهيار الاقتصادي، الأمر الذي خلق نوعًا من الانقطاع الزمني بينه وبين محيطه الثقافي.

 

فهل تغيّرت هذه المعادلة بعد عام 2003، ومع الانفتاح الكبير الذي شهده العراق على وسائل الاتصال الحديثة وشبكات المعرفة العالمية؟ في الداخل العراقي، لا أعتقد أن التغيير كان بالحجم الذي يُفترض أن يحدث. فما تزال أشباح المثقفين الرواد  وأسماؤهم تهيمن على المشهد الثقافي العراقي ، ليس فقط بوصفهم جزءًا من الذاكرة الثقافية الوطنية، بل بوصفهم مرجعيات حاضرة بقوة المقارنات الساذجة والغير موضوعية في عملية إنتاج المعنى والحكم على التجارب الجديدة. وكأن الثقافة العراقية ما تزال تنظر إلى نفسها من خلال مرآة الماضي، أكثر مما تنظر إلى إمكاناتها الراهنة ومستقبلها الممكن.

ولا يعني ذلك غياب المواهب الشابة أو انعدام التجارب الجديدة، فثمة أسماء وتجارب واعدة في الشعر والسرد والنقد والفنون المختلفة، إلا أن هذه التجارب لم تستطع بعد أن تشكل تيارًا ثقافيًا مؤثرًا وعابرًا للتحقيب التاريخي، قادرًا على فرض أسئلته الخاصة وإنتاج مرجعياته المستقلة. وما يزال الكثير من النتاج الثقافي الجديد يتحرك داخل الأطر التي رسمتها الأجيال السابقة، أو يسعى إلى اكتساب شرعيته من خلالها.أما في فضاء الشتات العراقي، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا. فقد انقسم عدد غير قليل من الكتّاب والمثقفين العراقيين المقيمين في الخارج بين اتجاهين متناقضين إلى حدٍّ ما. الأول اتجاه ماضوي يواصل اجترار الأسئلة القديمة وإعادة إنتاج الخطابات ذاتها، وكأن الزمن الثقافي العراقي توقف عند لحظة معينة لا يجوز تجاوزها. أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه نهضوي أو كوزموبوليتاني يسعى إلى الاندماج الكامل في السياقات الفكرية العالمية، ويقفز أحيانًا فوق الفوارق التاريخية والثقافية والمعرفية التي تفصل بين بيئة المهجر والبيئة العراقية.وفي كثير من الأحيان، لا يأخذ هذا الاتجاه الأخير بالاعتبار اختلاف شروط التلقي والإنتاج الثقافي بين العالم الذي يعيش فيه ويكتب ضمن مؤسساته الفكرية والثقافية، وبين العراق الذي يمتلك إيقاعًا مختلفًا في تطوره الاجتماعي والمعرفي. ولذلك تبدو بعض الخطابات الثقافية القادمة من الخارج متقدمة جدًا على واقعها العراقي، أو منفصلة عنه جزئيًا، ليس بسبب ضعفها الفكري، بل بسبب اختلاف التوقيت المعرفي بين البيئتين.

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بتفوق المثقف العراقي أو تأخره مقارنة بالمثقف العربي، بقدر ما تتعلق بالظروف التاريخية الاستثنائية التي مرت بها الثقافة العراقية، والتي جعلت علاقتها بالزمن الثقافي العربي والعالمي علاقة معقدة ومتذبذبة وربما مضادة للتحديث .

المثقف أو منتج الثقافة العراقي ما يزال يحمل إرثًا ثقيلًا من الانقطاعات والحروب والهجرات والتحولات السياسية الحادة، وهي عوامل تركت آثارها العميقة على طبيعة إنتاجه الثقافي وعلى مرجعياته الفكرية. ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: هل يختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي؟ بل: هل استطاعت الثقافة العراقية أن تتجاوز آثار القطيعة التاريخية التي عاشتها خلال العقود الماضية ؟هل تمكنت من إنتاج جيل ثقافي جديد قادر على بناء توازن خلاق بين الوفاء لتراثها الفكري الغني، والانفتاح على الأسئلة المعاصرة والتحولات العالمية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ما تزال مفتوحة، وربما تحتاج إلى مزيد من الزمن  والدراسات  قبل أن تتضح ملامحها بصورة نهائية.

 

 

 

 


مشاهدات 91
الكاتب ياسين غالب
أضيف 2026/06/27 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/06/28 - 12:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 50 الشهر 26504 الكلي 15901985
الوقت الآن
الأحد 2026/6/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير