هندسة الحرف وبلاغة النسخ عند نبيل المعموري
الأقلام الستة تتحوّل بالمجاورة المكانية
النجف - حسن الجراح
لا يمكن قراءة تاريخ الخط العربي، بوصفه تجلياً بصرياً للهوية الحضارية الإسلامية، بمعزل عن ثنائية «الموهبة العصامية» و»بركة المكان». وفي المشهد البصري المعاصر، يبرز اسم الخطاط النجفي نبيل حسين فرحان المعموري كعلامة فارقة تختزل هذا التمازج الإبداعي؛ حيث استطاع عبر صيرورة فنية ممتدة أن يعيد صياغة الروح التقليدية الرصينة لخط النسخ -أحد أركان الأقلام الستة الأصول- متكئاً على إرث عائلي أصيل، ومستلهماً عظمة الجغرافيا القدسية والتاريخية التي يمثلها مسجد الكوفة المعظم.
وانطلقت رحلة المعموري الفنية منذ نعومة أظفاره في العام 1993، وتحديداً من مشغل والده الخطاط المحلي السيد حسين فرحان أو ما يعرف فنيا بلقب (أمين المعموري) في قلب النجف القديمة. هذا الفضاء الحاضن للفكر والأحبار والورق العتيق شكّل الوعي البصري الأول للفنان، حيث انخرط لقرابة عقدين (1993-2013) في ممارسة خط الإعلانات التجارية؛ وهي ممارسة، وإن بدت حرفية، إلا أنها منحت أنامله مرونة تشريحية نادرة في ترويض القصبة وفهم بنية الحروف ونسبها وموازينها الطولية والعرضية التي حددها امام الخطاطين أبو علي محمد بن علي بن الحسين بن مقلة الشيرازي البغدادي (886-939).
بيد أن الملمح الأكثر إثارة في سيرة المعموري الفنية هو اعتماده على «التلقي العصامي الفردي» في دراسة أبجديات الخط العربي (الرقعة، والنسخ، والثلث العادي والجلي)، حيث خاض غمار هذه الرياضة الروحية والبصرية دون أستاذ مباشر في البدايات، معتمداً على تتبع آثار خطاطي المدارس الكبرى مثل خلاصة المدرسة البغدادية الخطاط المرحوم هاشم محمد البغدادي (1921-1973) وكراسه التعليمي الذي كان مرجعا لا ينفك عن اقتنائه كل مريد للخط العربي، واسلوب المدرسة العثمانية في الخط والتي تمثل الذروة التشكيلية لخطوط الأقدمين. هذا العشق الصوفي للحرف قاده في عام 2010 لنيل اعتراف وإجازة رفيعة في خطي النسخ والثلث من شيخ الخطاطين العراقيين الراحل مهدي الجبوري (1928-2015)، لتشكل هذه الإجازة وثيقة عبور رسمية إلى متن المشهد الإبداعي الدولي.
وتمثل محطة العام 2014 نقطة تحول جوهرية ومفصلية في الأسلوب البنائي والجمالي للمعموري، فمع تعيينه خطاطاً رسمياً في أمانة مسجد الكوفة المعظم، انفتحت بصيرته الفنية على معطيات جمالية بالغة الثراء. إن مسجد الكوفة ليس مجرد حيز مكاني، بل هو مهد الحرف العربي الأول، وفضاؤه مشبع بالأنوار والتاريخ ومآثر بلاغة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
هذه المجاورة المكانية والروحية تركت أثراً عميقاً ومباشراً في صقل إبداعه في خط النسخ. والنسخ، كما هو معلوم تاريخياً، هو قلم الديمومة والوضوح والجمال الهادئ بل وقلم كتابة المصحف الشريف، وتطويره يتطلب توازناً دقيقاً بين صرامة القواعد والسيولة الحركية. ومن مشكاة الكوفة، تدفق العطاء الفني للمعموري؛ فخط بيمينه «عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر» وزخرفة من الذهب الخالص لصالح مقتنيات المسجد، وهو عمل يتجلى فيه ألق الخط السهل الممتنع وعفة تسطير الخطاط.
ولم يقتصر إبداعه على الورق والمحابر، بل تمدد ليزين العمارة الإسلامية المقدسة، من خلال صياغة شريطين كتابيين معرقين بالكاشي من الداخل لقبة مرقد السفير مسلم بن عقيل عليه السلام بطول 60 متراً في عام 2017، تلاه الشريط الكتابي الخارجي المطل على قصر الإمارة التاريخي بطول 30 متراً عام 2018، إلى جانب خط شاهد القبر الشريف بخط الثلث. إن هذه الجداريات والشرائط تمثل ملاحم بصرية خالدة تعبر عن نضج أسلوبه الفني الذي يزاوج بين رصانة الخطاط القديم ودقة المهندس المعاصر.
ملتقى الأقلام
وفي الكوفة يمثل مكتب الخطاط نبيل المعموري مركزاً إشعاعياً ووجهاً من وجوه الثقافة الحية في المدينة. هذا الفضاء الأنيق غدا قبلة ومحجاً يقصده طيف واسع من الباحثين، والمتعلمين، وهواة الحرف العربي الأصيل، فضلاً عن كبار المؤلفين والمحققين ودارسي العلوم الشرعية والأدباء الذين يتشرفون ويسعون لتوثيق نتاجاتهم الفكرية من خلال خط عناوين كتبهم بمداد يراعه، حيث خطَّ المعموري عناوين مئات المصنفات الدينية والثقافية والأطاريح الأكاديمية والتي حازت على إعجاب دور النشر والجمهور الببليوغرافي، وأضحت بحد ذاتها دروساً عملية في خط النسخ والثلث لمن اراد مراناً وتغذية بصرية يستلهم منها جماليات الخط العربي.
وبالإضافة إلى كونه مركزاً لإنتاج الحرف، تحول هذا المحترف إلى مدرسة تعليمية معاصرة؛ حيث تتلمذ على يديه جيل جديد من الخطاطين من داخل المحافظة وخارجها، ممن يشار لهم اليوم بالبنان في المحافل الوطنية والإقليمية، ناقلاً إليهم أسرار الموازين والنسب الفاضلة، ومنهجية الصبر خلف الدواة.
ومن ابرز طلابه في العراق جملة من الخطاطين منهم بهاء حسين وحيدر السياب وسيف الخفاجي وميثم شاكر وأحمد آمرلي وعلي الغالبي ومحمد الموسوي وصادق الجوراني وعلي الحسيني وحيدر شناوة وعقيل العباسي وعبد الله الكعبي وأحمد الزاملي.
وأما في بيته الصغير المتواضع فقد حول المعموري ديوانية استقبال الضيوف وحولها الى «اتيليه» ومتحفٍ لأعماله التي تزين الجدران. يجلس على كرسي حديدي متهالك ينبئ بعزوف صاحبه عن ملذات الدنيا وموجهاً انظاره نحو وريقات مقهرة قد أهداها له خطاطون من تركيا وإيران ومن داخل العراق وماسكا بيراعه ليخط بها عصارة روحه محولا من الحبر الاسود الى صيغ جمالية تأخذ بشغاف القلوب.
في جو حار بديوانيته أخذت تتهادر قطرات العرق على جبينه حينما شرع بترتيش مخطوطة سابقة لديه وبعد تركيزه فيما بين يديه، رفع رأسه وهو يعتذر عن حرارة الغرفة ووعد بأنه سيجهزها بمكيف هواء حالما تيسر له ذلك.
جميع الاشرطة الكتابية والخطوط المنفذة في المساجد والمزارات والمراقد المقدسة هي محراب ابتلاء للمعموري الذي لا ينفك متفرساً إياها بإمعان. ومن لطيف ما يتحدث به انه يتجنب الوقوف في الصلوات المفروضة أمام هذه التشكيلات الكتابية لأنه حتما سيسهو في صلاته ويفقد الخشوع والتوجه المفروض.
ولم تقف حدود إبداع المعموري عند النطاق المحلي، بل امتدت أعماله لتستقر في كبريات الحواضر الفنية الإسلامية؛ من إسطنبول التي تحتضن أكثر من 60 عملاً له ما بين لوحات وحلي ومصحف شريف، إلى مشهد المقدسة حيث تتربع زيارته المخطوطة والمنقوشة بالذهب الخالص للسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في متحفها التخصصي، وصولاً إلى إهدائه بملتقيات المصحف الشريف بدول الخليج العربي كالإمارات والسعودية.
وقد تكللت هذه المسيرة المظفرة بنيل جوائز عالمية رفيعة، وعلى رأسها الجوائز الأولى المتتالية في مسابقة السفير الدولية والتي تقيمها سنوياً أمانة مسجد الكوفة، والجوائز التشجيعية في مسابقة مركز الأبحـاث للتاريخ والفنــــــــون والثقافة الإسلـــامية التابع لمنظمة العمل الاسلامي «إرسيكا» بتركيا، فضـــــــــلاً عن نيله شهادة الدكتوراه الفخـرية في الخط العربي من المركز الثقافي الألماني الدولي في عام 2018، كاعتراف دولــي بقيمة أثره الفني المضاف إلى سجل الإرث الإنساني.