أذن وعين
الدماغ الإلكتروني عندما يقول الشعر
عبد اللطيف السعدون
عثرت، وأنا أنبش في بقايا أرشيفي الشخصي، على مقالة كنت نشرتها في جريدة (الشرق الأوسط) قبل ما يقرب من أربعة عقود، حملت عنوان (الدماغ الإلكتروني عندما يقول الشعر)، وكانت آنذاك المناقشات محتدمة في الأوساط الأدبية في الغرب حول مهمة الشاعر في عصر الطفرة التكنولوجية، وقد فكرت في استعادتها هنا لاطلاع القارئ على ما كنا نفكر فيه، وما توقعناه إذ أصبح الكثير من أفكار تلك المرحلة من الحقائق الماثلة أمامنا اليوم، وهذا هو نص المقال:
هل أصبح المجتمع الإنساني أقل إقبالا على الشعر، وأصبح الشاعر نفسه أقل حماسا على الآمال التي يعلقها على القصيدة؟ نعم ولا فكل مظاهر التكنولوجيا الحديثة تقول أن الإنسان لم يعد لديه الوقت الكافي لكي يقول الشعر، أو حتى أن يستمع إليه فقد أصبحت الحاسبة الالكترونية بحجم طابع البريد أو قرص الأسبرين، وهذا يعني ان انفجارا هائلا في هذا العالم قد حدث فعلا، وأن مجموعة من التحولات العميقة والضخمة تأخذ طريقها الى حياة البشر، والى ظواهر المجتمع والاقتصاد والثقافة، والى الشعر أيضا، وهكذا فإن شكل القصيدة وقالبها الراهن ومضمونها سيتغير هو أيضا.
مع ذلك فإن عددا من الباحثين الغربيين، في آخر دراسة لهم، يؤكدون أنه وسط كل مظاهر التكنولوجيا الحديثة وتعقيداتها يظل الشعر الوسيلة الوحيدة لتحقيق التحرر من الأحزان والمخاوف التي يسببها التقدم العلمي الجذري والمتسارع، إذ حين يصاب الإنسان بالضجر من معطيات التكنولوجيا فليس أمامه سوى الحلم، وسوى الشعر، كما أن تحسين حال العالم المبتلى بالعلم لا يتم الا عن طريق الشعر، لكن هل يتصالح الشعر مع العلم؟
تأكيد حديث
يقول عالم الاجتماع الإيطالي جيامباتيستا فيكو الذي عاش بدايات القرن الثامن عشر أن الناس بطبيعتهم شعراء، وسوف يظلون كذلك، والمصالحة قائمة في أصل الأشياء، ولا حاجة لتأكيد الحديث عنها، على العكس من ذلك يرى شاعر فرنسا سان جون بيرس أن العلم بتطوراته المذهلة قد يمكنه نفي الشعر من الحياة الانسانية أو حتى التوصل الى صيغ تحتفظ بالقالب الشعري لكنها لا تقدم مشاهد مكتملة، وكان الفيلسوف الأمريكي جون ديوي قد طرح في بدايات القرن العشرين أن الفلسفة والشعر وبعض الخيال يظل مطلوبا الآن، وفي المستقبل ذلك لأن العالم الوصفي للصوت والصورة والألوان والموسيقى مثله مثل أي حقل من حقول العلم الذي ينمو ويتطور معتمدا على حقائق مادية ملموسة.
عطفا على ذلك، يتحدث الشعراء أنفسهم اليوم عن تصالحهم مع العلم ربما لكي يتقوا شروره، في الوقت الذي يضع فيه العلماء في ميزان النقد حقيقة إن المرحلة القادمة ستكون أكثر تقدما، إذ سيأخذ الكتاب شكل شريط متحرك تماما مثل تلفزيون الحائط، وســــــــتقوم الأدمغــــة الإلكترونية نفسها بالتأليف بــدلا من البشر، وســوف تزول الحدود التي تفصل بين الكلمة والصوت والهاتف والتلفزيون والفيديو فجأة محدثة انقلابا جذريا في مفاهيمنا وآفاق تفكيرنا.
لكن.. ترى هل يستطيع الدماغ الالكتروني أن يقول الشعر، وأن يأخذ مهمة الشاعر، وإذا تمكن العلم ان يطوع الدماغ الالكتروني، ويدربه على نظم القصيدة، وإعطائها شكلها الذي يتوافق مع مضمونها هل يستطيع أن يعلمـه (كيف يجاري الآلهة في الخلق والإبداع)، و(كيف يستغرق في الحلم لدرجة تحول الحلم نفسه إلى حقيقة) و(كيف يدعو الشمس لتناول قدح من الشاي على المد بين شروقها وغروبها)على النحو الذي قال به الشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي؟
انتهى المقال المستعاد، وأضيف أن الألوان الادبية المختلفة، والشعر واحد منها، سوف تظل خاضعة لسنة التغيير والتحديث كل يوم، وكل ساعة، ومن يعش ير.