الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عندما يطرق الشيطان أبواب الشرق

بواسطة azzaman

عندما يطرق الشيطان أبواب الشرق

حامد الضبياني

 

لم يعد الشرق يستيقظ على صوت المؤذنين وحده، ولا على بكاء الأطفال الجائعين، ولا على وقع أقدام الفلاحين المتجهين إلى حقولهم، فالشرق الذي أنجب الأبجدية الأولى وعلّم العالم كيف يكتب اسمه على ألواح الطين، صار يستيقظ مذعوراً على أصوات أخرى؛ أصوات لا تأتي من السماء وحدها، بل من غرف القرار المغلقة في العواصم الكبرى، ومن خرائط تفتح كل صباح لتبحث عن بقعة جديدة تتسع لحرب أخرى. لقد تحول إلى كتاب مفتوح على موائد الساسة، يقرأون صفحاته بلغات شتى، ولا يتركون فيه سوى هوامش الخوف ورائحة البارود.عندما يطرق الشيطان أبواب الشرق فإنه لا يحمل جواز سفر، ولا يعبر المطارات الرسمية، ولا يحتاج إلى تأشيرة دخول، فالشيطان الحديث يرتدي بذلة الجنرال تارة، وربطة عنق السياسي تارة أخرى، وقد يظهر في هيئة محلل اقتصادي، أو خبير استراتيجي، أو مشروع قانون يقال إنه جاء لإنقاذ العالم. إنه لا يدخل المدن عبر أبوابها، بل يدخل إلى عقول أهلها أولاً، فيقسمهم إلى معسكرات متقابلة، ويجعلهم يختلفون على شكل الخراب قبل أن يختلفوا على طريقة النجاة منه.إن وصول الجيوش ليس أكثر الأحداث إثارة للخوف، فالجيوش عبر التاريخ كانت نتيجة لا سبباً. أما السبب الحقيقي فيسكن في مكان آخر، هناك حيث تتحول الأوطان إلى أرقام في دفاتر المصالح الدولية، وحيث يصبح الإنسان هامشاً صغيراً في معادلات النفط والطاقة والممرات الاستراتيجية، وحيث تستطيع كلمة واحدة أن تهبط بأسعار الأسواق أو ترفعها، وأن تفتح أبواب الجحيم فوق مدن بأكملها.لقد علمتنا الحروب أن الخرائط أكثر قسوة من البنادق، وأن السياسي قد يوقع بيده على اتفاق لا يكلفه أكثر من قطرات حبر، بينما يحتاج الشعب إلى خمسين عاماً ليمحو آثار ذلك التوقيع من ذاكرته وذاكرة أبنائه. فالذين يجلسون إلى موائد القرار لا يسمعون دائماً صوت الأمهات وهن ينتظرن أبناءهن أمام أبواب المستشفيات، ولا يرون المدن وهي تجمع حجارتها المنهكة بعد انتهاء المعارك، ولا يحصون عدد القصائد التي ماتت في صدور الشعراء تحت أنقاض البيوت.إن الشرق الأوسط لم يعد مجرد مساحة جغرافية تتنازعها المصالح، بل تحول إلى سؤال فلسفي كبير عن مصير الإنسان المعاصر. كيف استطاعت الحضارة أن تبلغ هذا القدر من التقدم العلمي، وما زالت عاجزة عن تعليم الإنسان كيف يعيش بسلام؟ وكيف نجحت البشرية في اختراع الذكاء الاصطناعي، وما زالت تفشل في صناعة ذكاء سياسي يمنع الحروب؟ وكيف أصبح العالم قادراً على الوصول إلى الكواكب البعيدة، وما زال عاجزاً عن الوصول إلى قلب إنسان يتألم فوق هذه الأرض؟.. إن ما يثار اليوم من حديث عن التعزيزات العسكرية، وعن خرائط جديدة للصراع، وعن مطالبات بالاستسلام وإعادة تشكيل المشهد السياسي في هذه الدولة أو تلك، لا ينبغي أن يقرأ بوصفه حدثاً منفصلاً عن السياق العالمي. فالعالم يقف على عتبة مرحلة مختلفة من الصراع الدولي، مرحلة تتقاطع فيها القوة العسكرية مع الحرب الاقتصادية، ويتداخل فيها الأمن السيبراني مع الأمن القومي، وتصبح المعلومة أكثر خطورة من الصاروخ، لأن الصاروخ يدمر مدينة، أما المعلومة الموجهة فقد تدمر وعياً بأكمله.إن أخطر ما يهدد الشرق اليوم ليس الصواريخ العابرة للقارات، بل الأفكار العابرة للحدود، تلك التي تجعل أبناء الوطن الواحد يقفون على ضفتين متقابلتين من النهر نفسه، ويتبادلون الاتهامات بينما يجلس الغرباء على الضفة الثالثة يراقبون المشهد ويعيدون رسم الخرائط كما يشاؤون. وما من أمة استطاع أعداؤها أن يهزموها قبل أن تنجح في هزيمة نفسها.وأقرأ المشهد اليوم بقلق المحلل السياسي، فأجد أن العالم لا يتجه نحو حرب تقليدية بالمعنى الذي عرفه القرن الماضي، وإنما يتجه نحو أشكال أكثر تعقيداً من الصراع، تستخدم فيها القوة العسكرية بوصفها لغة تفاوض، وتستخدم العقوبات الاقتصادية بوصفها سلاحاً، وتستخدم وسائل الإعلام بوصفها جبهة قتال مفتوحة على مدار الساعة. لقد أصبح الإنسان يعيش داخل الحرب حتى وإن لم يسمع صوت انفجار واحد.أما توقعاتي لما هو قادم، فإنها تشير إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، قد ترتفع خلالها مستويات التصعيد السياسي والعسكري، مع استمرار الضغوط الدولية والإقليمية المتبادلة. وما تزال مساحة الحلول السياسية قائمة، بل إنها تظل الخيار الأقل كلفة للجميع. فالحرب، مهما اتسعت أو ضاقت، تبقى مشروع خسارة جماعية، حتى عندما يعلن أحد أطرافها النصر.ويبقى السؤال الذي يؤرقني بوصفي إنساناً قبل أن أكون كاتباً؛ كم حرباً يحتاج العالم بعد حتى يقتنع أن الإنسان أثمن من النفط، وأن المدينة أهم من الممرات الاستراتيجية، وأن دمعة طفل واحد أثقل وزناً من كل بيانات النصر التي تكتبها الجيوش؟ إن الحضارة التي تفشل في حماية أطفالها لا يحق لها أن تتباهى كثيراً بما أنجزته.أما الحل فلا يولد داخل الثكنات العسكرية، بل يبدأ من إعادة الاعتبار للعقل السياسي، ومن بناء منظومات إقليمية قادرة على إنتاج الأمن بعيداً عن مشاريع الهيمنة والصراع المفتوح. فالسلام ليس ضعفاً كما يتصور البعض، بل هو أعلى درجات القوة الأخلاقية والسياسية التي تستطيع الأمم امتلاكها.كما أن الاستثمار في الإنسان والتعليم والتنمية يظل السلاح الأكثر قدرة على هزيمة الخراب، لأن الحروب تنتهي ذات يوم، أما آثار الجهل والفقر والانقسام فقد تمتد أجيالاً كاملة.سيأتي يوم تغادر فيه الطائرات سماء الشرق، وتعود الجيوش إلى ثكناتها، وتطوى خرائط العمليات العسكرية في أدراج القادة، غير أن الشعوب وحدها ستبقى هنا، تبني ما تهدم، وتجمع ما تناثر من أحلامها، وتعيد كتابة حكايتها من جديد. فالأرض لا تحفظ أسماء الذين عبروا فوقها مدججين بالسلاح، لكنها تحفظ أسماء الذين جعلوها أكثر رحمة وأمناً وجمالاً.وعندما يطرق الشيطان أبواب الشرق، لا يكون السؤال: من سيفوز بالحرب؟ بل السؤال الأكثر حكمة ووجعاً: من سينقذ الإنسان من انتصاراته الدامية؟


مشاهدات 51
الكاتب حامد الضبياني
أضيف 2026/07/20 - 3:07 PM
آخر تحديث 2026/07/21 - 12:23 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 651 الشهر 22652 الكلي 15927779
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير