الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
(الزمان) حين فتحت لي نافذةً في عزّ العاصفة

بواسطة azzaman

(الزمان) حين فتحت لي نافذةً في عزّ العاصفة

محمد رسن

 

لم تكن علاقتي بجريدة (الزمان) وليدة معرفةٍ سابقة، ولا ثمرةَ مواعيد أو وساطات. كانت أشبه برسالةٍ ألقيتها في بحرٍ هائج، وأنا لا أنتظر لها وصولاً.

في ذلك الوقت، كانت أبواب كثيرة تُغلق في وجه المقالات التي تقترب من الجرح العراقي. كنت قد بعثت مقالاً إلى أكثر من صحيفة، لكن الخوف كان أسرع من الحبر، والتردد كان سيد غرف التحرير. لم يكن أحد يريد أن يقترب من الحقيقة وهي تمشي بين الرصاص.

أرسلت المقال إلى (الزمان) بضربة حظ، ثم انشغلت عنه، حتى فوجئت بعد يومين بأنه منشور على صفحاتها. لم يكن مجرد مقال نُشر، بل كان إعلاناً بأن الكلمة ما زالت تجد من يحتضنها، حتى في أكثر الأيام قسوة.

كان ذلك زمن القناصين الذين تربصوا بأبناء العراق لأنهم طالبوا بوطن. زمنٍ كان الحديث عن الدولة المختطفة، وعن السلاح المنفلت، وعن الجهات التي جعلت العراقي هدفاً لأنه قال: أريد بلدي، يُعد مغامرةً قد يدفع صاحبها حياته ثمناً لها.

كتبت يومها بلغةٍ احتجاجية لا تعرف المواربة، وسميت الأشياء بأسمائها، وذهبت إلى جوهر المأساة لا إلى هوامشها. كتبت عن الذين صادروا هيبة الدولة، وعن الغرباء الذين تمددوا في أرض الرافدين حتى صار الوطن غريباً في بيته، وعن الدم العراقي الذي سال في الساحات لأنه رفض أن ينحني إلا للعراق.

ولم يكن الثمن قليلاً.

وصلتني تهديدات مباشرة، لم تكن تعترض على المقال وحده، بل على المكان الذي يحتضنه. كانوا يسألونني بامتعاض: «لماذا تكتب في الزمان؟» وكأن المشكلة لم تكن في الحقيقة التي أكتبها، بل في الصحيفة التي تجرأت على نشرها، ولأسبابٍ لا يعلمها إلا الله والراسخون في العراق. لكن ذلك لم يزدني إلا إيماناً بأن الكلمة الحرة تُخيف أكثر مما تُجامل.

ومع ذلك، لم أتراجع، لأنني كنت أؤمن أن الكلمة التي ترتجف أمام التهديد لا تستحق أن تُكتب، وأن المقالة التي لا تدافع عن وطنها ليست سوى حبرٍ بلا ضمير.

واصلت الكتابة، لأن الصمت كان خيانة لذاكرة أكثر من ثمانمئة شهيد ارتقوا وهم يحلمون بوطنٍ لا يُدار بالبندقية، ولا تُرسم حدوده بإرادة الغرباء،بل ترفرف فوق سمائه رايات الحرية،والمحبة، والسلام، والكرامة الإنسانية.

ولعل أكثر ما كتبته في حياتي الصحفية كان على صفحات (الزمان): عن انتفاضة تشرين، وعن وجوه الشهداء، وعن الأمهات اللواتي انتظرن أبناءً لم يعودوا، وعن الشباب الذين خرجوا ليطالبوا بوطن، فعادوا محمولين على الأكتاف.

لهذا، لم تكن (الزمان) بالنسبة لي صحيفةً فحسب، بل كانت نافذةً بقيت مفتوحة حين أغلقت الريح كل النوافذ، ومنبراً آمن بأن الكلمة الحرة لا تُقاس بحجم المخاطر التي تحيط بها، بل بحجم الحقيقة التي تحملها.

وسيبقى في ذاكرتي أن أول صحيفة منحت مقالاتي حق الحياة، يوم كان كثيرون يخشون حتى الاقتراب من الحقيقة، كانت اسمها.. (الزمان).


مشاهدات 42
الكاتب محمد رسن
أضيف 2026/07/27 - 12:04 AM
آخر تحديث 2026/07/27 - 1:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 131 الشهر 29105 الكلي 15934232
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير