الخطأ صوابٌ ضلّ الطريق
جميل شيخو
إعتدنا فكريا أن نتصور الخطأ نقيضًا «مطلقًا» للصواب، وأن الجدار الفاصل بين الصواب والخطأ حاد وصلب لا يسمح بالتداخل. لكن هذا التصور ربما يكون تبسيطًا مخلًا للموضوع. فالأحكام لا تُولد مجردة في الفراغ، وإنما تولد في حضن الواقع داخل شبكة من العلاقات: علاقة الفكرة بموضوعها، وبعناصرها المادية والمعنوية والبشرية وبزمانها، وبمكانها، وبشروطها، وبغايتها، وبالمعارف التي تستند إليها. فإذا اختلت هذه العلاقات، ظهر الصواب في صورة الخطأ، أو ظهر الخطأ في صورة الصواب.
من هنا يمكننا أن نطرح مبدأ أن الخطأ صوابٌ أخطأ في تحديد علاقاته.
إن كثيرًا مما نعده اليوم أخطاءً علمية أو فلسفية أو عملية «تبعا للخطأ النظري»، لم يكن وليد العبث، بل كان محاولة صادقة لطلب الصواب، ولفهم الواقع وفق العلاقات الممكنة أو المدركة. وما إن تغيرت المعرفة أو ظهرت علاقات جديدة، حتى انقلب الحكم. لم يكن الصواب قد اختفى، بل كانت شبكة العلاقات التي بُني عليها الفهم ناقصة أو غير مكتملة.
وفي حياتنا اليومية كثيرًا ما نصف قرارًا بأنه خطأ، ثم نكتشف لاحقًا أنه كان صوابًا، لو نظرنا إليه من زاوية أخرى، أو لو أخذنا في الاعتبار معلومات لم تكن متوافرة أو واضحة، أو لو جعلنا غايته مختلفة أو لو استحضرنا شرط صحته اللازم. فالخطأ كثيرًا ما يكون نتيجة وضع فكرة صحيحة في غير موضعها، أو تطبيق قاعدة صحيحة على حالة لا تنطبق عليها.
وهذا يقود إلى نتيجة أعمق أن صحة الفكرة ليست صفة قائمة فيها وحدها، بل هي أيضًا صفة لعلاقاتها. فالفكرة قد تكون صحيحة في سياق، وخاطئة في سياق آخر، لا لأن حقيقتها تغيرت، بل لأن علاقاتها تغيرت. والحكم لا ينفصل عن شروطه.
لذلك فإن مهمة الباحث أو الإنسان عموما، ليست مجرد تصنيف الأفكار إلى صواب وخطأ، بل الكشف عن شبكة العلاقات التي جعلت هذا الحكم صحيحًا أو خاطئًا. فكلما اتسعت رؤيتنا للعلاقات، اقتربنا من الحقيقة، وكلما ضاقت، صات أفكارنا أو أحكامنا العقلية عرضة للخطأ.
إن أخطر أنواع الأخطاء ليست تلك التي تفتقر إلى الحقيقة، بل تلك التي تمتلك جزءًا من الحقيقة، ثم تعزله عن بقية العلاقات التي تمنحه معناه. فالحقيقة المجتزأة قد تكون أسوأ وأضر من الباطل الصريح الواضح، لأنها توهم صاحبها بأنه بلغ غاية المطابقة، مطابقة الحكم العقلي للموضوع، بينما هو لم ير إلا جزءًا من الصورة.
ولهذا فإن تصحيح الخطأ لا يكون دائمًا بإلغاء الفكرة، بل كثيرًا ما يكون بإعادة بناء علاقاتها: إعادة تحديد شروطها، ومجالها، وحدودها، وغايتها، وصلتها بغيرها من الحقائق.
وعندئذ قد نكتشف أن ما كنا نسميه خطأ لم يكن إلا «صوابًا أخطأ في تحديد علاقاته».
أخيراً، يقول نيلز بور: «نقيض الحقيقة البسيطة هو الخطأ، أما نقيض الحقيقة العميقة فقد يكون حقيقة عميقة أخرى.»