الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عندما يرتدي الخذلان قناع الأمان

بواسطة azzaman

عندما يرتدي الخذلان قناع الأمان

انتظار العظيمي

 

ما أقسى أن يكتشف الإنسان أن اليد التي ائتمنها على قلبه كانت أول يدٍ تدفعه إلى السقوط.

فالثقة ليست عابرةً تمر بين الناس كما تمر الكلمات في الهواء، بل هي عهدٌ من الروح للروح، وجسرٌ من الأمان لا يُبنى إلا من صدقٍ نادر. وحين نمنحها لأحد، فإننا لا نعطيه مكاناً في حياتنا فحسب، بل نمنحه مفاتيح أبوابٍ لم تُفتح لغيره.

وقد وثقتُ به حتى جعلتُه وطناً حين ضاقت الأوطان، وأخاً حين عزّ الإخوة، وصديقاً حين شحّت الصداقة، وأباً حين اشتدّ عليّ الطريق.

ظننته ظلاً لا يغادرني إذا أحرقتني شمس الأيام، وسنداً لا يميل إذا مالت الدنيا من حولي.

لكنني كنت أبني قصراً من اليقين على أرضٍ لم أعرف هشاشتها.

فما إن تبدلت الريح حتى رأيت وجهاً آخر لم أعرفه من قبل؛ وجهاً بارداً لا يتذكر كل ذلك الوفاء، ولا يرى في سنوات الصدق إلا تفصيلاً يمكن تجاوزه.

ألقى بي خارج حياته كما تُلقى الأشياء التي انتهت الحاجة إليها، وكأنني لم أكن يوماً جزءاً من ذاكرته، ولا نبضاً من نبض أيامه.

رماني كما تُرمى ساعةٌ رخيصة بعد أن يتوقف عقربها، ناسياً أن الساعات لا تشعر، أما القلوب فتظل تسمع صوت انكسارها طويلاً.

واليوم يسألني الحنين أحياناً: أما زلتِ ترغبين في العودة؟

فأجيبه:

وكيف أعود إلى بابٍ أوصدني صاحبه بيده؟

وكيف أطلب دفئاً من قلبٍ كان أول من تركني للبرد؟

وكيف أعود إلى من علّمني أن الأمان قد يكون أجمل الأقنعة التي يرتديها الخذلان؟

إن الذي يرمي إنساناً صادقاً من حياته لا يفقد شخصاً واحداً فقط، بل يفقد مرآةً كانت ترى فيه ما لم يره في نفسه.

أما أنا، فرغم ما في القلب من وجع، أدرك أن الوردة الملقاة على الطريق لا تفقد عطرها، وأن اللؤلؤة لا تصبح حجراً لأن أحدهم لم يعرف قيمتها.

سيبقى في الروح جرحٌ يروي حكاية ثقةٍ ذُبحت على مذبح الجحود، لكنني لن أعود إلى المكان الذي خرجت منه مكسورة.

فبعض الأبواب إذا أُغلقت خلف الكرامة، لا يليق بها إلا أن تبقى مغلقة إلى الأبد.

 

 

 


مشاهدات 60
الكاتب انتظار العظيمي
أضيف 2026/07/15 - 4:18 PM
آخر تحديث 2026/07/16 - 1:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 121 الشهر 16461 الكلي 15921588
الوقت الآن
الخميس 2026/7/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير