الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خليها سكتة يا لفتة

بواسطة azzaman

خليها سكتة يا لفتة

نهى الخزاعي

 

ونحن صغار، نهرع إلى أمهاتنا وجداتنا بفضول الأطفال المعهود، نطرح عليهن أسئلة بريئة عن تفاصيل تدور حولنا، فنصطدم بعبارة دافئة مغلفة بالغموض والتحذير: «خليها سكتة يا لفتة». كانت تلك الجملة، المورثة من الموروث الشعبي العراقي، تعني ببساطة: «نحن نعرف الحقيقة كاملة، ونرى أبعادها، لكننا لا نملك القدرة أو الحرية للتحدث عنها». كبرنا، واكتشفنا أن هذه العبارة لم تكن مجرد مثل عابر لتسكيت فضول الصغار، بل تحولت مع الأسف إلى دستور غير مكتوب يعيشه الشارع العراقي اليوم، وصارت انعكاساً مريراً لواقع وطنٍ ينهشه الفساد أمام مرأى الجميع.إن المأساة الحقيقية في العراق اليوم لا تكمن في غياب الأدلة، أو غموض هوية الفاسدين؛ فالكل في العراق يعرف السارق، والكل يرى ويسمع عن حجم الظلم والنهب الممنهج لخيرات البلاد. المواطن يرى بأم عينه كيف تُسرق الميزانيات، وتُهدر ثروات بلاد الرافدين، وتُبنى القصور بمليارات الدولارات على حساب بنية تحتية متهالكة ومستشفيات بلا دواء. لكن، وأمام هذا المشهد الفاضح، يلوذ الكثيرون بالصمت، وتتردد في الأعماق ذات العبارة القديمة المكبوتة، خوفاً من بطش، أو تصفية، أو ملاحقة.هذا السكوت الجماعي المغلف بالخوف هو الحاضنة الأكبر التي ترعرع فيها سراق العراق؛ فالخوف لم يحمِ أحداً، بل مَنح الحصانة الكاملة للفاسدين ليتمادوا في غيهم. عندما يتحول الصمت إلى ثقافة لحماية الذات، تصبح الساحة خالية للصوص لينهبوا الحاضر والمستقبل دون وازع من ضمير أو خوف من حساب. إن استمرار هذا الخوف معناه المباشر تبرئة الفاسد ومشاركته في ذنبه دون قصد، فالساكت عن الحق في نهاية المطاف هو شيطان أخرس يسمح للظلم بأن يتجذر ويصبح أمراً واقعاً.لقد حان الوقت لدرك أن غض البصر والسكوت لم يعد خياراً آمناً، بل هو الطريق الأسرع لضياع ما تبقى من أمل للجيل القادم. إن كسر حاجز «خليها سكتة» والتحدث بصوت عالٍ ضد الفساد والمطالبة بالحقوق المسلوبة هو الخطوة الأولى لاستعادة عافية الوطن.

لن يتوقف السارق عن السرقة ما دام يضمن صمت الضحية، ولن يستقيم حال العراق حتى يتوقف العراقيون عن السكوت إن كسر حاجز الصمت والتحدث بصوت عالٍ ضد الفساد والمطالبة بالحقوق المسلوبة هو الخطوة الأولى لاستعادة عافية الوطن.

لن يتوقف السارق عن السرقة ما دام يضمن صمت الضحية، ولن يستقيم حال العراق ما دمنا نلوذ بالخوف؛ فالنتيجة الحتمية اليوم هي أن «لفتة مات من السكتة»، مات قهرًا وحسرة وهو يرى وطنه يُسرق أمامه دون أن يملك القدرة على الكلام، وموت لفتة بصمته هو النهاية الحزينة لكل شعب يرتضي السكوت في موطن الظلم.

 

 

 

 


مشاهدات 63
الكاتب نهى الخزاعي
أضيف 2026/07/27 - 12:00 AM
آخر تحديث 2026/07/27 - 1:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 132 الشهر 29106 الكلي 15934233
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير