من الحرب إلى أبراهام الموسّعة.. إعادة تشكيل الدور الإيراني في الشرق الأوسط
علاء العاني
كان كثيرون في الشرق الأوسط يعتقدون أن أي مواجهة عسكرية كبرى مع إيران ستقود، في نهاية المطاف، إلى تقليص نفوذها الإقليمي أو إنهائه، بعد سنوات طويلة من التمدد السياسي والعسكري الذي ترك آثاراً عميقة على أمن المنطقة واستقرار دولها وسلامة شعوبها.
غير أن الرسالة الأخيرة التي نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصةTruth Social والصادرة بتاريخ 26 / ايار / مايو/ 2026 بتوقيت واشنطن بحسب مانقلته وسائل إعلام دولية عن مضمون المنشور ، بدّلت زاوية النظر إلى المشهد الإقليمي بشكل لافت .
اتفاقيات أبراهام
فالرئيس الأميركي لم يتحدث فقط عن أن “المفاوضات مع إيران تسير بصورة جيدة”، بل ذهب أبعد من ذلك حين ربط بشكل مباشر بين أي اتفاق محتمل مع طهران وبين توسيع “اتفاقيات أبراهام”، داعياً عدداً من الدول العربية والإسلامية إلى الانضمام إليها، بل وطرح ـ بصورة لافتة ـ احتمال أن تكون إيران نفسها جزءاً من هذه المنظومة الجديدة.
هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل كانت المواجهة مع إيران تستهدف فعلاً إنهاء مشروعها الإقليمي، أم أنها كانت جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل هذا الدور وإعادة إدماجه ضمن نظام إقليمي جديد؟
بمعنى آخر: هل كان الهدف إسقاط النفوذ الإيراني… أم إعادة تعريفه داخل منظومة سياسية مختلفة؟
إذا صحّ هذا الاتجاه، فإننا لا نكون أمام نهاية صراع، بل أمام إعادة توزيع أدوار داخل خريطة إقليمية قيد التشكل.
إيران التي قُدمت لعقود بوصفها رأس ما يُعرف بـ“محور الممانعة”، والتي رفعت شعار مقاومة “الشيطان الأكبر”، قد تجد نفسها ـ وفق هذا التصور ـ أمام احتمال الانخراط في ترتيبات سياسية ترعاها واشنطن نفسها، ضمن صيغة إقليمية جديدة يُعاد فيها تعريف التحالفات والخصومات.
وفي هذا السياق، تبرز “اتفاقيات أبراهام” كإطار سياسي مطروح لإعادة هندسة العلاقات في الشرق الأوسط، عبر دفع مزيد من الدول العربية والإسلامية نحو التطبيع مع إسرائيل، تحت عنوان بناء “شرق أوسط جديد” خالٍ من الصراع التقليدي.
غير أن التجربة التاريخية في المنطقة تفتح باباً واسعاً للتساؤل حول هذه الوعود.
ففي حالة مصر، وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، جرى الترويج لمسار التطبيع بوصفه بوابة للسلام والتنمية والاستقرار الاقتصادي. إلا أن السنوات اللاحقة شهدت نقاشاً واسعاً حول نتائجه، حيث ربطت قطاعات من الرأي العام بين هذا المسار وبين تحديات اقتصادية واجتماعية طويلة المدى، مع استمرار وجود تيار شعبي واسع لا يزال ينظر إلى التطبيع بحذر أو رفض، رغم ثبات الاتفاق الرسمي بين الدولتين.
وفي حالة الأردن أيضاً، ورغم توقيع اتفاق وادي عربة، بقي المزاج الشعبي العام متحفظاً ، مع استمرار تباين وجهات النظر حوله ، في اطار اهتمام مستمر بهذا الملف باعتباره من القضايا الإقليمية الحساسة في المنطقة .
هذه النماذج تطرح سؤالا محوريا: هل يمكن لمشاريع “السلام الإقليمي” أن تُبنى على تفاهمات حكومية فقط، أم أن استقرارها الحقيقي يتطلب توافقاً أعمق مع المجتمعات المعنية؟وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية: أين يذهب خطاب “الممانعة” و“المقاومة” إذا انتهى الأمر إلى ترتيبات سياسية أوسع تعيد إدماج أطراف الصراع داخل الطاولة ذاتها؟
نتيجة نهائية
وما مصير كل الحروب والدمار والتضحيات التي جرى تبريرها لعقود تحت شعارات كبرى، إذا كانت النتيجة النهائية هي إعادة ترتيب النفوذ بدل إنهائه؟
قد يقول البعض ان السياسة لا تعرف الثوابت، ولا تُدار بالشعارات ولا بالعواطف، بل بالمصالح المتحركة، وهذا صحيح إلى حد بعيد ،غير أن الإشكال لا يكمن في تبدل المصالح بحد ذاته، بل في الثمن الذي دفعته الشعوب تحت عناوين كبرى ،قبل ان تكتشف ان خرائط النفوذ ترسم في مكان آخر ،وان ما بدا صراعا وجوديا قد يكون،في بعض وجوهه ، جزءا ً من تفاهمات اكبر لم تعلن كاملة بعد .
ربما يكون من المبكر إصدار أحكام نهائية على هذا المسار، لكن من حق شعوب المنطقة ان تسأل هل كنا امام حرب حقيقية لكسر مشروع إقليمي ام امام مرحلة انتقالية لاعادة دمجه ضمن مشروع اكبر بشروط جديدة ؟ وتصريح ترامب الاخير والرسائل السياسية الأخيرة القادمة من واشنطن يفتح الباب واسعا أمام ذلك .
وإذا صح ذلك، فنحن لا نكون أمام نهاية صراع في الشرق الأوسط، بل أمام بداية مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة التوازنات، وتُرسم فيها خرئط النفوذ في بداية شرق اوسط جديد مختلف تماما .