الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حرية الملاحة في الممرّات البحرية الضيّقة

بواسطة azzaman

حرية الملاحة في الممرّات البحرية الضيّقة

ماهر نصرت  

 

تُشكل المضائق والممرات البحرية الضيقة شرايين حيوية للاقتصاد العالمي ، حيث تمر عبرها نسبة كبيرة من السفن التي تحمل آلاف الاطنان من مواد الطاقة والبضائع بين القارات  ، ومن أبرز هذه الممرات مضيق هرمز وباب المندب وقناة بنما وغيرها .

 ومع تزايد الاعتماد العالمي عليها لم يعد مقبولاً تركها خاضعة للهيمنة شبه المطلقة للدول المطلة عليها وتحويلها إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي .

هذه الممرات ، باستثناء القنوات الاصطناعية مثل قناة السويس ، ليست نتاج إرادة بشرية ، بل هي تشكيلات طبيعية صنعتها الطبيعة عبر ملايين السنين ، وهو ما يمنحها طابعاً يتجاوز حدود السيادة الوطنية الضيقة ويقربها من مفهوم الملكية المشتركة للبشرية ومن غير العدل إخضاعها بالكامل لسلطة دول بعينها وهذا يثير إشكالاً قانونياً وواقعياً  ، خاصة حين تستخدم هذه السلطة لفرض قيود أو رسوم أو تهديدات تمس حرية الملاحة .

ورغم أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أقرت مبدأ المرور العابر لضمان حرية التنقل البحري إلّا أن التطبيق العملي لهذا المبدأ لم يمنع أشكال القيود غير المباشرة ولم يعالج بصرامة مسألة التهديد بإغلاق المضائق أو تعطيلها مما يترك مجالاً لتفاوت التفسير والتنفيذ بين الدول  ، ويجعل التجارة العالمية عرضة للتقلبات السياسية والأزمات الإقليمية  .

لقد أظهرت احداث الحروب المعاصرة هشاشة الوضع القائم حيث شهد مضيق هرمز ومناطق قريبة من باب المندب اضطرابات أثرت على حركة الملاحة ، كما تكررت التهديدات المرتبطة بإغلاق هذه المضائق في سياقات الحرب الحاصلة هناك حتى انعكس مباشرة على أسواق الطاقة وطوابير الإمدادات العالمية وأمن الاقتصاد الدولي .

إن استمرار هذا الواقع يعني بقاء الاقتصاد العالمي رهينة لعوامل جغرافية وسياسية محلية لا تتناسب مع الطبيعة العالمية لهذه الممرات ، لذلك تبرز ضرورة ملحة لإعادة صياغة القواعد المنظمة لها من خلال تدخل دولي تقوده الأمم المتحدة لوضع نظام قانوني أكثر صرامة وعدالة يقوم على تدويل جزئي لهذه المضائق عبر تخصيص ممرات عبور محددة لا تخضع لسيادة أي دولة  ، ولا يجوز فيها فرض ضرائب أو رسوم إجبارية مع إخضاعها لإشراف دولي محايد يضمن أمنها واستمرارية العمل فيها .

كما يجب أن يتضمن هذا النظام تجريم أي محاولة لإغلاق هذه الممرات أو التهديد بذلك باعتباره تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين ، مع التعامل مع هذه الأفعال ضمن إطار المسؤولية الدولية من خلال فرض غرامات مالية كبيرة لردع من يحاول العبث بحرية الملاحة في هذه الممرات البحرية الدولية المهمة  ، فأن القضية لم تعد مسألة سيادة تقليدية  ، بل أصبحت مسألة توازن بين حق الدول في حدودها وحق العالم في عمل شرايينه الحيوية بدون قيود او شروط تصطنعها الدول  القريبة من تلك الممرات حسب المزاج  .

أن بقاء هذه الممرات تحت تحكم منفرد لدولةٍ ما على اساس انها ضمن حدودها الاقليمية يُعرض استقرار الاقتصاد العالمي لمخاطر دائمة ، بينما يمثل تدويلها الجزئي خطوة واقعية نحو نظام اقتصادي عالمي أكثر استقراراً وعدالة .

ويجب أن نؤكد على أن الممرات المائية الضيقة ليست مجرد حدود للدول ، بل هي مفاصل لحركة العالم كله ، ومن غير المعقول أن تبقى خاضعة لمنطق القوة أو التقلبات السياسية ولا بد أن تخضع لمنطق القانون الدولي العادل الذي يحررها من قبضة تلك الدول من اجل ان  يضمن استخدامها لصالح البشرية برمتها ليحصل العالم على نظام اقتصادي عالمي أكثر استقراراً وعدالة .

 


مشاهدات 54
الكاتب ماهر نصرت  
أضيف 2026/04/14 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/04/15 - 12:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 58 الشهر 12108 الكلي 15230181
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير