الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين الإقتران والإنفصال.. رحلة الإنسان في فهم ذاته

بواسطة azzaman

بين الإقتران والإنفصال.. رحلة الإنسان في فهم ذاته

نبراس المعموري

 

يمثل الاقتران والانفصال ظاهرتين مركزيتين في حياة كل إنسان، لكنهما ليسا مجرد حالتين عابرتين، بل محطتين نعيد من خلالهما تشكيل ذواتنا. تتداخل فيهما العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية ، استجابة لحاجات داخلية وضغوط خارجية، تتشكلان عبر التنشئة والتجربة  والتوقعات .بهذا الصدد تفسر نظريات التعلق ميل الإنسان بطبيعته إلى بناء الروابط، وسعيه منذ الطفولة للحصول على الأمان العاطفي عبر الارتباط بالآخرين. هذا الميل لا يتوقف عند حدود الأسرة، بل يمتد إلى العلاقات العاطفية والاجتماعية في مراحل لاحقة من الحياة. وهنا يكون الاقتران ليس مجرد قرار عقلاني، بل هو سلوك يتشكل عبر الحاجة إلى الانتماء والبحث عن الأمان والتطابق القيمي. لكن هذا السلوك لا يخلو من التعلم؛ فالفرد يكتسب شكل ونوع الارتباط من أسرته وبيئته ، ما يفسر اختلاف طرق التعبير عن الحب والالتزام بين الأشخاص و العيش تحت سقف واحد.

صمت طويل

و على النقيض من الاقتران ، يأتي الانفصال كصمتٍ طويل بعد ضجيج المشاعر، كإدراك متأخر بأن بعض القرب كان يؤلم أكثر مما يطمئن، وأن البقاء لم يعد شجاعة بل استنزافاً بطيئاً . وهنا  لا يعني الانفصال دائماً الفشل، بل قد يكون تعبيراً عن وعي متقدم بالحاجة إلى إعادة التوازن. عندما تتجاوز العلاقة قدرة الفرد على التكيف أو حين تفشل تلك العلاقة في تلبية الاحتياجات الأساسية. وحسب تجارب عديدة فأن قرار الانفصال غالباً ما يمر بمراحل نفسية تشبه الحداد ،الإنكار، الغضب، التفاوض، الحزن، ثم القبول، وهو ما يعكس عمق الارتباط الذي كان قائماً والتشبث بالعلاقة لآخر لحظة رغم مرارة طعمها .

السلوك البشري في هذا السياق ليس ثابتاً، بل ديناميكي يتأثر بالخبرات. فالأفراد الذين خاضوا تجارب انفصال مؤلمة قد يميلون إلى الحذر أو تجنب الارتباط، بينما قد يسعى آخرون إلى تكرار التجربة بحثاً عن “تصحيح” لعلاقة سابقة اصراراً  منهم على اكمال مشوار الحياة مع شريك آخر قد يعوض الانكسارات. كما تلعب الثقافة دوراً مهماً؛ ففي مجتمعات محافظة، قد يُنظر إلى الانفصال بوصفه فشلًا إجتماعياً، ما يدفع الأفراد إلى الاستمرار في علاقات غير صحية، بينما في مجتمعات أخرى يُعد خياراً مشروعاً لإعادة بناء الذات.

السؤال الجوهري ليس لماذا نرتبط أو ننفصل؟ بل كيف نفهم أنفسنا داخل تلك العلاقات؟

نفهم أنفسنا داخل العلاقات عندما ننظر إليها كمرآة… مرآة لا تعكس ملامحنا فقط، بل تكشف هشاشتنا وقوتنا، خوفنا من الفقد، وحاجتنا إلى القبول، نكتشف أننا لم نكن نبحث عن الآخر بقدر ما كنا نبحث عن أنفسنا فيه، لنجد أنفسنا غارقين في أسئلة لا تهدأ: هل كان ارتباطنا بدافع الحب الحقيقي، أم خوفاً من الوحدة؟ وهل كنا نبحث عن شريك… أم عن تعويضٍ عاطفي؟ كيف تصرفنا عند الخلاف؟ هل هربنا، هاجمنا ، أم حاورنا؟ كيف كان دورنا في كل ما حدث؟

درس مهم

اخيراً كل علاقة، سواء استمرت أو انتهت، تترك درساً مهماً . والاقتران والانفصال خطان يلتقيان في نقطة واحدة: الوعي بأننا نرتبط لنشعر، وننفصل لندرك، وبين الشعور والإدراك تتكون حكايتنا مع أنفسنا. فليست كل علاقة قدراً للبقاء، ولا كل انفصال خسارة… فبعض النهايات ليست إلا بداياتٍ أكثر صدقاً، نتعلم فيها كيف نحب أنفسنا، ونستعيد توازننا، ونؤمن أن للحياة ميزاناً عادلاً لا يكتمل إلا حين يتساوى العطاء مع الأخذ.

 

 


مشاهدات 70
الكاتب نبراس المعموري
أضيف 2026/04/13 - 3:47 PM
آخر تحديث 2026/04/14 - 9:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 338 الشهر 11440 الكلي 15229513
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير