الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ضرورة التفاوض.. قراءة في صراع الشرق الأوسط من مفهوم نظرية الحاجات

بواسطة azzaman

ضرورة التفاوض.. قراءة في صراع الشرق الأوسط من مفهوم نظرية الحاجات

سلوان كامل

 

في خضم الصراع العسكري الذي يهز منطقة الشرق الاوسط، يبرز سؤال كضوء في نهاية نفق مظلم متى تتحول الحاجة إلى التفاوض من خيار تكتيكي إلى ضرورة وجودية؟ ومن هو الطرف الأكثر حاجة إلى طاولة الحوار؟ وما الدوافع الحقيقية خلف الجلوس إليها؟ في صراع معقد كالصراع الدائر بين الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي من جهة، والجمهورية الاسلامية الايرانية من جهة أخرى، والذي امتدت تداعياته لتطال دولاً جارة كالعراق ودول الخليج والأردن، لتصبح الإجابة عن هذه الأسئلة أشبه بفك شيفرة مصير المنطقة.

هل يمكننا تفكيك هذا المشهد عبر «نظرية الحاجة للتفاوض» التي تقول إن الأطراف لا تلجأ إلى المفاوضات طالما أنها تمتلك بدائل قابلة للتطبيق، لكنها تندفع إليها حين تصبح هذه البدائل أكثر كلفة من التسوية. وإذا ما ربطنا ذلك بـ»نظرية الحاجات» لأبراهام ماسلو في مجال علم النفس، نجد أن دوافع الأطراف المختلفة للتفاوض تتحدد بناءً على موقعها من هرم الاحتياجات الإنسانية والأمنية والاقتصادية.

من هو الأكثر حاجة إلى التفاوض؟

إذا طبقنا منطق هرم ماسلو، نجد أن إيران تعمل حالياً من مستوى الحاجة إلى «الأمان» ، فبعد سلسلة من الضربات الموجعة التي طالت قياداتها ، وانهيار جزء من منظومة ردعها الإقليمي، فإنها تواجه تهديداً مباشراً لاستقرار نظامها، التفاوض بالنسبة لإيران لم يعد رفاهية دبلوماسية، بل حاجة أمنية قصوى لوقف التآكل في نفوذها وإعادة رسم قواعد الاشتباك بطريقة تضمن بقاءها، دوافعها هنا دفاعية بالدرجة الأولى: تخفيف العقوبات التي تخنق اقتصادها (الحاجة الاقتصادية)، وكسب الوقت لإعادة بناء قدراتها (الحاجة إلى الأمان).

تجنب الاستنزاف

أما الولايات المتحدة، فدوافعها للتفاوض تأتي من مستوى «الحاجة إلى الاستقرار» و»تجنب الاستنزاف». تدرك واشنطن أن الانزلاق إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط يعني تفكيك أولوياتها الاستراتيجية في هذه المنطقة، وترى بانها ليست في أمس الحاجة إلى التفاوض كمنقذ لها من هزيمة وشيكة، بل كأداة لإدارة الصراع بتكلفة أقل، دوافعها تتمثل في خفض التصعيد لحماية قواعدها ومصالحها، ووقف الاستنزاف الذي تتعرض له في دول الخليج والعراق والاردن.أما الكيان الاسرائيلي، فدوافعه الأكثر تعقيداً. بعد أن حققت جزءاً من أهدافه العسكرية في إضعاف «حماس» وحزب الله، يجد الكيان نفسه أمام معضلة: كيف تحوِّل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة؟ حاجتها للتفاوض تنبع من مستوى «الحاجة إلى الأمان طويل الأمد»، فهي تسعى إلى تفكيك التهديد الإيراني ليس فقط عسكرياً، بل عبر اتفاقيات تضع حدوداً جديدة لنفوذ طهران، وتضمن اندماجاً إقليمياً أوسع، وهذا الامر بجعلها اكثر عدوانية في اتخاذ القرارات في العمليات العسكرية لتصل من منظورها الى تفاوض تكون هي الرابح الاكبر.  اما الدول المتضررة فلها اولوياتها في انجاح المفاوضات.

هنا الامر يتعلق بالدول التي لم تختر الحرب، لكنها تعيش تداعياتها: العراق، دول الخليج، والأردن. هذه الدول تمثل قمة هرم ماسلو في هذه المعادلة؛ فهي تتجاوز الحاجة إلى الأمان المباشر إلى الحاجة إلى «الاستقرار والتنمية» (تحقيق الذات الوطني). هي الأكثر حاجة إلى التفاوض، لأنها الأكثر تضرراً من استمرار الفوضى.

العراق يعاني من صراع القوى على أرضه، فهو بحاجة ماسة إلى تفاوض إقليمي ينتزع بلده من معادلة الصراع، ويحولها من ساحة للمواجهات إلى فضاء للاستقرار دوافعه: إعادة بناء السيادة الوطنية وتحقيق الأمن الداخلي المستدام.

دول الخليج والأردن، التي حققت قفزات تنموية غير مسبوقة، ترى أن الحرب تهدد هذه المنجزات، هي بحاجة إلى تفاوض يعيد توجيه البوصلة من التصعيد العسكري إلى التكامل الاقتصادي والتعاون الإقليمي. دوافعها حماية مشاريعها التنموية (كـ»رؤية 2030»)، وضمان أمن وسلامة الإمداد والتجارة العالمية التي هي جزء رئيسي منه، ووقف نزيف التكاليف الأمنية والاقتصادية التي تثقل كاهل موازناتها.

اخيراً هل اذا ما جرت المفاوضات ستكون خدعة؟ أم مفتاح لمرحلة جديدة؟

هذا هو السؤال الأخطر: هل سيكون هذا التفاوض المرتقب (سواء المباشر أو غير المباشر) مجرد خدعة تكتيكية تهدف لكسب الوقت وإعادة ترتيب الصفوف لمواجهة قادمة، أم هو مفتاح حقيقي لحل يمهّد لمرحلة جديدة؟

التاريخ يعلمنا أن التفاوض تحت وطأة النار غالباً ما يكون «تفاوض المضطر»، وهو أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى سلام دائم. إذا دخلت الأطراف إلى طاولة الحوار وكل منها يسعى لتثبيت مكاسبه العسكرية وانتظار لحظة ضعف الخصم، فإن المفاوضات ستكون مجرد استراحة محسوبة بين جولات القتال.

لكن الجديد هذه المرة هو أن هناك أطرافاً (كالعراق و دول الخليج والأردن) باتت تمتلك رؤية واضحة للمستقبل، وهي قادرة على لعب دور الوسيط الفاعل الذي يحوِّل المعادلة من صراع محصلته صفر إلى مشاريع إقليمية رابحة للجميع، النجاح سيكون مرهوناً بقدرة هذه الدول على فرض منطق المصالح المشتركة، وإقناع الأطراف المتصارعة أن الأمان الحقيقي لا يتحقق بفرض الإرادة، بل ببناء منظومة إقليمية متوازنة.

خدعة تكتيكية

في النهاية، الحاجة للتفاوض موجودة، بل هي ماسة لكن التحول من «خدعة تكتيكية» إلى «حل استراتيجي» يتطلب تحولاً في العقلية من هرم ماسلو للحاجات الانسانية كالأمن والاستقرار  والاقتصاد للبقاء إلى قمته التي تتطلب احترام المصالح المشتركة والتنمية.

و الامل الحقيقي ليس إن كانوا سيتفاوضون، بل هل سيستطيعون تجاوز منطق الانتصار حتى اذا كان على حساب الخسائر ليتحول إلى منطق السلام القابل للحياة؟

اكاديمي وكاتب


مشاهدات 87
الكاتب سلوان كامل
أضيف 2026/03/29 - 3:43 PM
آخر تحديث 2026/03/30 - 12:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 27 الشهر 24277 الكلي 15216345
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير