بين مقام سيدنا الحسين وأزقة خان الخليلي
محمد خضير الانباري
شاءت الأقدار أن أقضي الأسبوعين الماضيين في مصر أمّ الدنيا، مستفيدًا من إجازة منحتني إياها جامعتي عقب انتهاء امتحانات الفصل الأول. وكانت تلك الأيام فرصةً لاكتشاف روح القاهرة عن قرب، ولا سيما في ليالي شهر رمضان الكريم، التي تتزيّن فيها المدينة ببهجةٍ خاصة.
وفي إحدى تلك الليالي الرمضانية العامرة بالأنس، قصدتُ خان الخليلي، ذلك المكان الذي تختلط فيه رائحة التاريخ بنبض الحياة. غير أنّ أول ما شدّني قبل الدخول إلى أزقته العتيقة كان التوجّه إلى مقام سيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام) ، وصلت إليه بعد الإفطار مباشرة، فأديت الزيارة، وصلّيت، وابتهلت بالدعاء، ثم جلست أقرأ شيئًا من القرآن الكريم.
كان المكان يفيض بسكينةٍ مهيبة، كأن الزمن في حضرة هذا المقام المبارك حفيد رسول الله، يتباطأ احترامًا وجلالًا. امتزجت همسات الدعاء بترتيل القرآن، وتعانقت القلوب القادمة من جهاتٍ شتى على نيةٍ واحدة: التماس الرحمة، وطلب البركة، والبحث عن الطمأنينة التي تفيض بها تلك الأجواء الروحانية.
لشهر رمضان في مصر القديمة، نكهته الخاصة التي تختلف عن أحيائها الحديثة؛ فما إن يصدح أذان المغرب حتى تكشف القاهرة عن وجهٍ آخر أكثر دفئًا وحيوية. وفي ساحة الحسين(ع)، تتنفس المدينة ببطء بعد نهارٍ طويل من الصيام، ثم سرعان ما تدب الحياة في الأزقة المحيطة بها. يمضي الناس بين أضواء خان الخليلي المتلألئة؛ يحمل بعضهم أكواب الشاي بالنعناع، بينما يختار آخرون مقعدًا في مقهى عتيق يطل على تاريخٍ لا يعرف النوم، فتلتقي الحكايات القديمة مع خطوات العابرين في ليلةٍ رمضانية لا تُنسى.
بعد خروجي من أجواء السكينة، اتجهتُ إلى أزقة خان الخليلي حيث تختلط حركة الناس بعبق التاريخ العتيق. تصطف المحال الصغيرة على الجانبين عارضةً تحفًا يدوية وبضائع تراثية تعكس روح مصر، بينما تجذب الألوان الزاهية للملابس الفلكلورية الأنظار. ومع التقدم في الأزقة تتعالى أصوات الباعة بلهجتهم المصرية، وتفوح روائح القهوة الشرقية والبخور والبهارات من المقاهي والدكاكين.
جلستُ في أحد المقاهي القديمة أراقب حركة الناس وكأنني أعيش صفحة من تاريخٍ حي. في تلك الليلة الرمضانية بدا خان الخليلي أكثر من مجرد سوق شعبي، بل مسرحًا نابضًا بالثقافة والتراث، تتردد فيه الأغاني القديمة والموشحات النبوية في أجواء روحانية مفعمة بالمحبة.
كانت بعض الزوايا تحتضن حلقات إنشادٍ ديني، بينما يجتمع الناس في أماكن أخرى حول فناجين الشاي يتبادلون الحديث الهادئ بعد يومٍ من الصيام. شعرتُ أنني لا أتجول في سوقٍ فحسب، بل أسير في ذاكرة مدينةٍ عريقة، حيث يروي كل حجر حكاية من حكايات القاهرة القديمة.
ومع اقتراب منتصف الليل، انعكست أضواء المصابيح الصفراء على الجدران التاريخية في مشهدٍ ساحر. عدتُ ببطء أحمل في قلبي تلك اللحظات، مدركًا أن القاهرة ليست مدينةً تُزار فقط، بل حكاية تُعاش وذكرى تبقى في القلب طويلًا.