الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عقيل الطريحي..  التوازن الصعب بين صرامة القانون ونقاء السيرة السياسية 

بواسطة azzaman

عقيل الطريحي..  التوازن الصعب بين صرامة القانون ونقاء السيرة السياسية 

 مالك رحيم

 

في عالم السياسة والإدارة، حيث تتشابك المصالح وتتقاطع المسارات، يظل الحفاظ على "الاسم الأبيض" والسيرة النقيّة تحدياً لا يقوى عليه إلا من تسلّح بالقانون، وامتلك رؤية استراتيجية واضحة. ومن بين هذه الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في المشهد الإداري والقانوني العراقي، يبرز اسم الأستاذ الحاج عقيل الطريحي (أبو ذر)، أو كما يحلو لمحبيه تسميته (أبا ذر الطريحي)، كنموذج لرجل الدولة الذي يجمع بين الفصاحة البالغة، والقوة المستندة إلى الحق.

موسوعية الشخصية: العناوين المتعددة في رجل واحد

حين نقترب من شخصية الأستاذ (أبو ذر)، نجد أننا لسنا أمام مسؤول تنفيذي تقليدي، بل أمام قامة موسوعية تختزل عناوين شتى؛ فهو الإسلامي الملتزم بقضايا أمته، والسياسي المحنك، والقانوني الصارم. لكن أبعاد شخصيته تتسع لأكثر من ذلك؛ فهو الإعلامي اللمّاح، والباحث الرصين، والأديب الشاعر الذي يطوع الحرف ببراعة. تكتمل هذه التوليفة الثقافية بكونه قارئاً جيداً ومتابعاً نهمًا، ومستمعاً يتقن فن الإنصات قبل الحديث، وناقداً مبدعاً يمتلك بصيرة الفرز والتحليل. هذا الثراء الفكري هو الينبوع الذي استمد منه فصاحته البالغة، واتزان حديثه الذي يزن الكلمات بميزان المسؤولية والوعي.

المفتش العام: احترافية في أخطر الملفات الرقابية

إن القوة والنزاهة التي ميزت شخصية الحاج "أبي ذر" لم تكن وليدة الصدفة، بل صُقلت في أعقد المفاصل الأمنية في البلاد. فحين شغل منصب المفتش العام لوزارة الداخلية العراقية لسنوات عدة، عُرف بذات القوة الاحترافية والإدارة الناجحة لأهم وأخطر الملفات الرقابية. في هذا المفصل الأمني الحساس، أدار دفة الرقابة بنفس الروح الوطنية والمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية والانضباطية. لقد واجه ملفات شائكة وضغوطاً جسيمة، لكنه حافظ على انضباطه الصارم، مستنداً إلى رؤية سياسية حكيمة تحمي المؤسسة الأمنية وتصون حقوق المواطنين والمنتسبين على حد سواء.

 

الحكمة في إدارة الأزمات: القضاء هو الفيصل

هذه المدرسة الانضباطية نقلها الطريحي معه إلى العمل التنفيذي الميداني؛ فخلال فترة توليه منصب محافظ كربلاء المقدسة، سُجلت له مواقف عديدة تعكس روحه القانونية العالية.

في إحدى جولاته الميدانية، زار دائرة الضرائب واستمع بشكل مباشر إلى شكاوى المواطنين. وحين تبين وجود شكوى ملموسة ضد أحد موظفي الدائرة، لم يتخذ "أبو ذر" قراراً انفعالياً أو استعراضياً يبتغي فيه تصفيق الحاضرين، بل تصرف بمنتهى الحكمة والانضباط؛ فلم تخرج منه كلمة واحدة خارج سياق القانون أو اللياقة الإدارية. أبدى اهتماماً عالياً بمظلومية المواطن، وفي الوقت ذاته حافظ على كرامة الوظيفة العامة، موجهاً بإحالة الأمر برُمته إلى القضاء العادل. كان شعاره ومبدأه في ذلك: "الفيصل هو القانون، والحق يُرد لصاحبه سواء كان مواطناً أو موظفاً". هذا الموقف يختزل فلسفته الإدارية التي تؤمن بأن الدولة لا تُبنى بالارتجال، بل بالمؤسسات.

التخطيط الاستراتيجي والنظافة السياسية

لقد أثبت الطريحي خلال مسيرته الإدارية والسياسية الشاملة أنه سياسي بارع، يعتمد على "التخطيط الاستراتيجي النظيف". لم تكن إدارته للأزمات قائمة على ردود الأفعال، بل على الرؤية الاستباقية. وفي بيئة سياسية معقدة، نجح في الحفاظ على مسافة أمان تحمي تاريخه، مستمسكاً بنزاهة اليد والموقف، ليخرج من المناصب الرسمية حاملاً معه رصيداً من الاحترام الشعبي والسياسي الذي لا يقدّر بثمن.

السخيّ القوي: البُعد الإنساني والقيادي

القيادة ليست مجرد قرارات تُوقع على الورق، بل هي هيبة وإنسانية. وهنا تبرز صفتا "السخاء والقوة" في شخصية الطريحي. قوة في اتخاذ القرار وتطبيق القانون دون محاباة، وسخاء في العطاء الإنساني والتواصل مع الناس والإنصات لمطالبهم. هذا التوازن بين حزم المسؤول ورعاية الأب جعل منه شخصية قريبة من قلوب من عرفوه وعملوا معه.

خاتمة: سيرة تُقرأ في كتاب المواقف

إن الحديث عن الحاج عقيل الطريحي هو حديث عن ثقافة "رجل الدولة" التي نحتاجها؛ الرجل الذي لا تغيره الكراسي، بل يمنحها هو من هيبته ونظافته. ستبقى سيرته ومواقفه، من أروقة وزارة الداخلية كمفتش عام إلى إدارته الميدانية لمحافظة كربلاء، دليلاً على أن السياسة يمكن أن تُمارس بأيدي ناصعة، وأن القانون هو الحصن المنيع الذي يحمي المسؤول ويحفظ كرامة الوطن والمواطن على حد سواء.

 


مشاهدات 92
الكاتب  مالك رحيم
أضيف 2026/05/25 - 12:30 AM
آخر تحديث 2026/05/25 - 2:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 24069 الكلي 15869263
الوقت الآن
الإثنين 2026/5/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير