الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الفصل بين التجريب والتعمية.. ضرورة نقدية وأخلاقية في السرد المعاصر


الفصل بين التجريب والتعمية.. ضرورة نقدية وأخلاقية في السرد المعاصر

عبد الكريم الحلو

 

* يراودني سؤالٌ في صميم الإشكال السردي المعاصر :

هل ما نقرؤه اليوم تجريبٌ حقيقي، ؟

أم تعميةٌ مقنّعة باسم الحداثة؟

 

* إنّ الفصل بين التجريب والتعمية لم يعد ترفاً نقدياً، ولا مجرّد تمييز اصطلاحي، بل صار ضرورة معرفية وأخلاقية، لحماية السرد من الانزلاق إلى متاهات مغلقة، ولحماية القارئ من الإقصاء باسم العمق.

 

أولاً:

ما هو التجريب؟

التجريب هو وعيٌ فنيٌّ مقصود، يهدف إلى اكتشاف إمكانات جديدة للسرد، من دون قطع الصلة بالمعنى أو بالقارئ.

إنه مغامرة محسوبة، لا قفز في العتمة.

التجريب لا يعني كسر القواعد لمجرّد الكسر، بل تجاوزها حين تصبح عاجزة عن احتواء التجربة الإنسانية الجديدة.

 

سمات التجريب الحقيقي:

(  ١  )  : له ضرورة فنية

أي أنه يخدم فكرة النص ورؤيته، ولا يُمارَس بوصفه استعراضاً تقنياً أو ترفاً شكلياً.

 

(  ٢  ) : يُربك الشكل لا المعنى

قد يكسر الزمن الخطي، أو يعدد الأصوات، أو يخلخل موقع الراوي، لكنه لا يُلغي الدلالة، بل يعيد إنتاجها بصيغة أعمق.

 

(  ٣  ) : يفترض قارئاً شريكاً لا خصماً

يثق بذكاء القارئ، ويدعوه إلى المشاركة في الاكتشاف، لا إلى الوقوف حائراً أمام نصّ مغلق.

 

(  ٤  ) : يُنتج معنى جديداً

لا يعيد إنتاج القديم بلغة ملتوية، بل يفتح أفقاً مختلفاً للفهم والتأويل.

 

أمثلة دالّة:

تجريب جيمس ؛

جويس في تيار الوعي، رغم صعوبته، كان بحثاً عن شكل يناسب تعقيد الإنسان الحديث، لا هروباً من المعنى.

 

تجريب إدوار الخراط :

وصنع الله إبراهيم في السرد العربي جاء استجابة لتحولات الواقع والتاريخ، لا انسحاباً منه.

 

التجريب سؤال فني شجاع:

كيف أقول ما لا يُقال بالطريقة القديمة؟

 

ثانياً:

ما هي التعمية؟

التعمية هي إخفاء المعنى، عمداً أو عجزاً، تحت ذريعة الحداثة، أو الرمزية، أو التفكيك.

وهي لا تعني صعوبة النص، بل انسداد دلالته.

 

سمات التعمية:

(  ١  ) : غياب الفكرة المركزية

فلا يعرف القارئ عمّ يتحدث النص، ولا لماذا كُتب.

 

(  ٢  ) : اللغة بديلاً عن الرؤية

ألفاظ كثيفة، وصور متراكمة، من دون عمق فكري أو رؤية واضحة.

 

(  ٣  ): الغموض بوصفه قيمة بحد ذاته

كأن عدم الفهم إنجاز، وكأن الإرباك دليل عبقرية.

 

رابعاً: إقصاء القارئ

النص يُكتب للنخبة أو للكاتب نفسه، لا بوصفه فعلاً تواصلياً.

 

النتيجة:

نصّ يُقرأ ولا يُمسك،

ويُحلَّل أكثر مما يُحسّ،

ويُبرَّر أكثر مما يُقنع.

 

التعمية تقول: انظر كم أنا غامض

أمّا التجريب فيقول: تعال نكتشف معنى جديداً معاً

ثالثاً:

* ىالفارق الجوهري بين التجريب والتعمية ؟

* الخلط بين التجريب والتعمية من أكثر الإشكالات شيوعاً في السرد المعاصر، وقد أدّى هذا الخلط إلى تبرير نصوص مغلقة باسم الحداثة، وإدانة محاولات جادّة بدعوى الغموض.

* والحقيقة أن الفارق بينهما ليس شكلياً، بل فارق في الرؤية والغاية والمسؤولية.

* التجريب فعلٌ واعٍ نابع من حاجة فنية حقيقية. الكاتب المجرِّب لا يعبث بالشكل من أجل الاختلاف، بل لأن الشكل التقليدي لم يعد قادراً على احتواء فكرته أو تجربته الإنسانية.

* لذلك يبقى التجريب، مهما بدا صعباً، مشدوداً إلى المعنى، وقادراً على قيادة القارئ إلى دلالة قابلة للفهم والتأويل.

* أما التعمية، فهي نقيض ذلك تماماً. ليست بحثاً عن شكل جديد، بل هروباً من الفكرة ذاتها.

* حين تغيب الرؤية، تُستدعى اللغة الكثيفة، وتُراكم الصور، وتُكسر البنى بلا سبب، فيتحوّل النص إلى ضباب لغوي لا يقود إلى شيء.

* التجريب يُربك الشكل لينقذ المعنى،

* بينما التعمية تُربك المعنى لتُخفي فراغه.

* التجريب يترك أثراً بعد القراءة، حتى لو تعدّدت التأويلات،

* وأما التعمية فلا تترك سوى سؤال واحد:

ماذا أراد الكاتب أن يقول؟

وغالباً… لا جواب.

* والفارق الأهم أن التجريب موقف أخلاقي أيضاً؛

* فهو يحترم القارئ، ويعترف بحقه في الفهم والتأويل،

* بينما تمارس التعمية نوعاً من التعالي الثقافي، وتجعل من القارئ خصماً أو متّهماً بالعجز.

خلاصة القول :

* ليس كل غموض تجريباً،

* وليس كل بساطة سذاجة.

* التجريب الحقّ يفتح النص،

* أما التعمية فتغلقه.

* ومن لا يملك فكرة واضحة في وعيه،

* لا ينقذه ألف شكلٍ معقّد.

 

 


مشاهدات 54
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/02/25 - 1:52 PM
آخر تحديث 2026/02/26 - 1:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 58 الشهر 20303 الكلي 14951946
الوقت الآن
الخميس 2026/2/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير