الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التيه بين يقين العقيدة وقلق الوطن

← بواسطة azzaman

التيه بين يقين العقيدة وقلق الوطن

سعد العبيدي

 

في عراقٍ ما يزال يبحث عن صيغة مستقرة لوطنه، تبدو المفارقة لافتة: شباب يهتفون «نريد وطن»، ويحاولون تجاوز الهويات الفرعية التي أثقلت الدولة بالصراع، وفي الجهة الأخرى يظهر شباب، بعضهم من المشاهير والفنانين والمؤثرين، ليعلنوا بوضوح أن انتماءهم العقائدي يتقدم على الوطن. وهنا في هذا المقال ليس المقصود

 مناقشة العقيدة، ولا المفاضلة بين الدين والوطن، وإنما طرح سؤال نفسي: ما الذي يدفع فنانة تعيش في مجتمع عانى طويلًا من صراع الهويات إلى التشبث بهوية فرعية وإعلانها بهذه الصراحة؟

هناك عدة تفاسير، إحداها يكمن في الحاجة إلى الهوية: فالإنسان، ولا سيما في أزمنة الاضطراب، يحتاج إلى إجابة واضحة عن سؤال: من أنا؟ وحين تصبح الهوية الوطنية ضعيفة أو عاجزة عن منحه الشعور بالأمان والانتماء، يبحث عن هوية أكثر تماسكًا، يجد من خلالها جماعة يشعر بأنه جزء منها، ورموزًا يعتز بها، ويقينًا يخفف عنه حيرة الواقع.

وهناك عامل آخر هو الحاجة إلى اليقين: فالمجتمعات المضطربة تنتج أسئلة كثيرة وإجابات قليلة. أما العقيدة، حين تتحول إلى منظومة فكرية وسياسية، فإنها تقدم للأتباع إجابات جاهزة وحدودًا واضحة بين ما يُعتقد أنه صواب وما يُعتقد أنه خطأ، وبين «نحن» و «هم». وكلما ازداد الغموض، ازدادت لدى البعض الحاجة إلى اليقين، وتعاظمت جاذبية ما توفره تلك المنظومات السياسية المؤدلجة دينيًا من إجابات تُشبع تلك الحاجة.

ويضاف إلى ذلك البحث عن المكانة: فالشاب المشهور لا يعلن موقفه في فراغ؛ إنه يتحدث أمام جمهور. والانتماء المعلن إلى جماعة قوية قد يمنحه جمهورًا أكثر ولاءً، وشعورًا بالقبول والحماية والاعتراف. وهنا يمكن أن تتحول الهوية من اعتقاد شخصي إلى «هوية اجتماعية»، يستمد من خلالها الفرد الباحث عن المكانة جزءًا من قيمته ومكانته.

لكن المسألة الأكثر أهمية نفسيًا هي أن الأجيال لا تسير جميعها في اتجاه واحد. فالتجربة القاسية نفسها قد تدفع الكثيرين إلى رفض الهويات التي ارتبطت في ذاكرتهم بالصراع، والقول: لنخرج من الماضي ببناء هوية وطنية أوسع، في حين تدفع قلةً أخرى إلى الاحتماء بتلك الهويات، والقول، بصورة واعية أو غير واعية: العالم غير مأمون، ولذلك نحتاج إلى جماعة نعرف حدودها، وننتمي إليها.

من هنا لا ينبغي تفسير الظاهرة ببساطة على أنها تديّن متزايد أو تراجع في الوطنية. إنها في جانب منها علامة على صراع أعمق حول الهوية والأمان والانتماء والمكانة. فحين لا ينجح الوطن في أن يكون مصدرًا كافيًا للأمان النفسي والعدالة والاعتراف. تزداد قدرة الهويات الأصغر على استمالة الفرد واحتوائه. ولذلك قد لا يكون السؤال: لماذا اختار هؤلاء العقيدة قبل الوطن؟ وإنما: لماذا لم يستطع الوطن «العراق» بعد كل ما مر به، أن يصبح هوية جامعة قوية بما يكفي لكي تتسع للعقيدة والقومية والطائفة، من غير أن تضطر أيٌّ منها إلى أن تحلّ محله؟

 

 


مشاهدات 25
الكاتب سعد العبيدي
أضيف 2026/11/04 - 3:51 PM
آخر تحديث 2026/11/05 - 1:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 142 الشهر 8883 الكلي 16659417
الوقت الآن
الخميس 2026/11/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير