الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إختراق السيارات الذكية.. عندما تتحوّل المركبة إلى أداة قتل رقمية

بواسطة azzaman

إختراق السيارات الذكية.. عندما تتحوّل المركبة إلى أداة قتل رقمية

أثير هلال الدليمي

 

لم تعد السيارة الحديثة مجرد وسيلة للانتقال من مكان إلى آخر، بل تحولت إلى منظومة رقمية متكاملة تضم الحواسيب والبرمجيات وأجهزة الاستشعار والاتصالات اللاسلكية وخدمات الإنترنت وتطبيقات الهاتف، وفي بعض الحالات أنظمة قادرة على تحليل البيئة المحيطة والمساعدة في اتخاذ قرارات أثناء القيادة.

ان هذا التحول جعل السيارة أكثر ذكاءً وراحة، لكنه في الوقت نفسه أوجد نوعاً جديداً من المخاطر، كالهجمات السيبرانية التي يمكن أن تبدأ من الفضاء الرقمي وتنتهي بتأثير مادي على المركبة والإنسان.

تكمن خطورة السيارة الرقمية او الذكية كالسيارات ذاتية القيادة، في تعدد نقاط الاتصال بها؛ فالهاتف الذكي، ونظام الملاحة GPS، والاتصال اللاسلكي، والخدمات السحابية، وتحديثات البرامج عن بُعد، والأجهزة التي يضيفها المستخدم، كلها قد تشكل جزءاً من البيئة الرقمية للمركبة، وإذا وُجدت ثغرة في إحدى هذه الحلقات، فقد تصبح مدخلاً لمحاولة الوصول إلى وظائف أخرى، ولذلك تنظر الجهات المختصة إلى المركبات الحديثة باعتبارها أنظمة سيبرانية-فيزيائية؛ أي أن مكوناتها الرقمية يمكن أن يكون لها تأثير في العالم المادي.

لتوضيح هذه الفكرة، يمكن تصور مركبة تعتمد على الاتصال بالهاتف والخدمات السحابية لتنفيذ بعض الأوامر عن بُعد، فإذا تمكن مهاجم من اختراق حساب المستخدم أو استغلال ثغرة ما في إحدى هذه الخدمات، فإنه بذلك يستطيع الوصول إلى وظائف غير مصرح له بها.

وفي سيناريو أكثر خطورة، قد يؤدي اختراق أحد الأنظمة الإلكترونية المرتبطة بوظائف القيادة إلى التأثير في أداء المركبة الفيزيائي كالسيطرة على أنظمة السلامة والامان وأنظمة القيادة.

 ليس المقصود أن كل اختراق يؤدي تلقائياً إلى فقدان السيطرة على السيارة مثلا، وإنما يفقد الارتباط بين البرمجيات والأنظمة الإلكترونية والوظائف الفيزيائية  وبذلك تجعل عواقب بعض الثغرات أكثر خطورة من اختراق جهاز إلكتروني تقليدي، وهنا تظهر أهمية العبارة الواردة في عنوان المقال: «أداة قتل رقمية»، فهي ليست وصفاً قانونياً للسيارة، وإنما تعبير عن تغير طبيعة الخطر، ففي الماضي كان الخطر المروري يرتبط أساساً بالسرعة أو الأخطاء البشرية أو الأعطال الميكانيكية، أما اليوم فقد ينشأ الخطر أيضاً من خلل برمجي أو هجوم سيبراني متعمد يمكن أن تكون له نتائج مباشرة على السلامة الجسدية.

انظمة ذكية

كما يزداد المشهد تعقيداً مع دخول تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى المركبات، فالأنظمة الذكية تعتمد على البيانات والخوارزميات لاتخاذ قرارات أو تقديم توصيات للسائق، وبالتالي لا تقتصر الحماية المطلوبة على تأمين الأجهزة والشبكات، بل تشمل أيضاً حماية البيانات والبرمجيات والنماذج الذكية من التلاعب أو الاستخدام غير الآمن، ولابد من معرفة انه كلما زادت صلاحيات النظام الذكي في التحكم بالمركبة، أصبحت سلامة الخوارزمية وجودة البيانات جزءاً من سلامة الطريق نفسها.

أن التحديثات البرمجية عن بُعد تمثل سلاحاً ذا حدين، فهي ضرورية لإصلاح الثغرات وتحسين أداء السيارة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى حماية قوية؛ لأن التلاعب بعملية التحديث أو توزيع برمجيات غير موثوقة قد يحول آلية الحماية نفسها إلى نقطة ضعف. ولهذا أصبحت أمنية المركبة لا تبدأ عند استخدامها، بل تبدأ منذ تصميمها وتصنيعها وتطوير برمجياتها وحتى صيانتها وتحديثها.

أما قانونياً، فإن اختراق سيارة ذكية قد يخلق سلسلة معقدة من المسؤوليات، فإذا تسبب هجوم سيبراني في حادث، فمن المسؤول: المهاجم الذي نفذ الاختراق، أم الشركة المصنعة، أم مطور البرمجيات، أم مزود الخدمة الرقمية، أم الجهة التي نفذت الصيانة، أم المستخدم الذي أهمل تحديث النظام أو ركّب جهازاً غير موثوق؟

لا توجد إجابة واحدة تصلح لجميع الحالات، لأن المسؤولية تعتمد على القانون المطبق وملابسات الواقعة والأدلة المتوافرة، لكن المؤكد أن السيارة الذكية تفرض على التشريعات الحديثة التعامل مع الأمن السيبراني باعـــــــــتباره جزءاً من سلامة المنتج والمسؤولية القانونية.

وتبرز هنا أهمية الأدلة الرقمية، فعند وقوع حادث مشتبه به، قد لا يكون فحص المركبة ميكانيكياً كافياً، بل قد تحتاج جهات التحقيق إلى تحليل سجلات النظام ومنها سجلات الحركة، وبيانات الاتصالات، وتاريخ التحديثات، والبرمجيات المستخدمة، والبيانات التي سجلتها أجهزة المركبة، وهذا يعني أن التحقيق في بعض حوادث السيارات المستقبلية قد يجمع بين الخبرة المرورية والهندسة الإلكترونية والأمن السيبراني والأدلة الجنائية والقانون.

ماذا ينبغي أن يفعل المستخدم؟

ان أول حماية تبدأ من المستخدم نفسه، وبذلك يتوجب عليه عدم تجاهل تحديثات الشركة المصنعة، وعدم تثبيت تطبيقات أو برامج مجهولة المصدر، وعدم إعطاء بيانات الدخول الخاصة بخدمات السيارة للآخرين، وعدم توصيل أجهزة غير موثوقة بالمركبة، كما ينبغي الانتباه إلى الحسابات المرتبطة بالسيارة، لأنها قد تكون بوابة مهمة إلى الخدمات الرقمية للمركبة.

ومن المهم أيضاً التعامل مع السيارة الذكية كما نتعامل مع الهاتف والحاسوب، كون ان الجهاز المتصل بشبكة الإنترنت يحتاج إلى حماية مستمرة، وليس حماية لمرة واحدة، فإذا ظهرت علامات غير طبيعية، مثل أوامر لم ينفذها المستخدم أو تغيرات غريبة في إعدادات النظام، أو رسائل أمنية غير معتادة، فمن الأفضل الرجوع إلى الشركة المصنعة أو مركز خدمة موثوق، وعدم محاولة معالجة المشكلة ببرامج مجهولة.

وظيفة تقنية

أما مسؤولية الشركات المصنعة ومزودو الخدمات، فعليهم أن يتعاملوا مع الأمن السيبراني باعتباره جزءاً من سلامة المركبة وليس وظيفة تقنية ثانوية، ويشمل ذلك تقليل نقاط ومنافذ الدخول غير الضرورية، وفصل الأنظمة الحساسة عن غيرها قدر الإمكان، والتحقق من التحديثات والبرمجيات، واكتشاف السلوك غير الطبيعي، وإجراء اختبارات أمنية دورية، والاستجابة السريعة للثغرات عند اكتشافها.

وعلى المستوى التشريعي، تحتاج الدول إلى تطوير أطر واضحة تحدد مسؤوليات المصنعين ومطوري البرمجيات ومزودي الخدمات والمستخدمين، وتنظم حماية بيانات المركبات، وآليات الإبلاغ عن الثغرات، والتحقيق في الحوادث السيبرانية، وحفظ الأدلة الرقمية، كما ينبغي أن تتطور قوانين الجرائم الإلكترونية بالتوازي مع تطور السيارات المتصلة والقيادة المؤتمتة.

وفي الختام يمكننا القول أن السيارة الذكية لم تعد قضية تقنية فقط؛ إنها قضية أمن وسلامة وقانون وخصوصية ومسؤولية، وكلما ازدادت قدرة المركبة على الاتصال والتحليل واتخاذ القرار، أصبحت الحاجة أكبر إلى حمايتها من الاختراق وإلى تحديد المسؤولية عند حدوث الضرر.

فالسيارة الآمنة في العصر الرقمي ليست التي تمتلك أكبر عدد من التقنيات، وإنما التي تكون تقنياتها مؤمّنة، وبياناتها محمية، وبرمجياتها قابلة للرقابة والتحديث، ومسؤوليات الأطراف المرتبطة بها واضحة.

وعندها فقط يمكن أن تكون «السيارة الذكية» وسيلة لتعزيز سلامة الإنسان، لا نقطة ضعف يمكن أن تتحول من خلالها جريمة رقمية إلى مأساة واقعية.

 

 ماجستير هندسة بحوث العمليات  دكتوراة في القانون الدولي العام  باحث متخصص في الأمن السيبراني

 

 


مشاهدات 45
الكاتب أثير هلال الدليمي
أضيف 2026/09/19 - 4:13 PM
آخر تحديث 2026/09/20 - 12:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 38 الشهر 33114 الكلي 16565634
الوقت الآن
الأحد 2026/9/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير