من النبطية إلى جرف الصخر.. قلاع ما فوق الدولة في مهبّ الريح
رائد فؤاد العبودي
موقعان تفصل بينهما أكثر من ألف كيلومتر، لكنهما يلتقيان عند السلاح والنفوذ الإيراني. وفي 2026 بات السؤال مختلفاً: ماذا يحدث عندما تصبح القلاع التي استعصت على الدولة قابلة للاقتحام؟
ثمة أماكن لا تستمد خطورتها مما يظهر فوق الأرض، بل مما يُعتقد أنه مخبأ تحتها، ومن القوة التي تحرسها. ومع الزمن قد تتحول من مواقع عسكرية إلى جغرافيا سياسية قائمة بذاتها؛ حدودها ليست مرسومة على خرائط الدولة، لكن الجميع يعرف أين تبدأ، ومن يستطيع دخولها، ومن عليه التوقف عند أبوابها.
في لبنان والعراق تبدو تلال علي الطاهر قرب النبطية وجرف الصخر جنوب بغداد نموذجين لهذه الجغرافيا. موقعان مختلفان في الطبيعة والتاريخ، لكنهما ارتبطا لسنوات بقوى مسلحة حليفة لإيران وبمنظومات عسكرية أحاطتها السرية. والمفارقة أن القلعتين اللتين كان مجرد الحديث عن اقتحامهما بالغ الصعوبة أصبحتا في 2026 أمام موازين قوة جديدة: علي الطاهر تحت ضغط عسكري إسرائيلي غير مسبوق، وجرف الصخر أمام حكومة عراقية أعلنت موعداً زمنياً لإنهاء السلاح خارج الدولة.
تقع تلال علي الطاهر قرب النبطية وترتفع نحو 600 متر، لكن الموقع الجغرافي وحده لا يفسر أهميتها. فمنذ سنوات ارتبطت منظومة حزب الله في جنوب لبنان بعالم واسع تحت الأرض من الأنفاق ومخازن الأسلحة ومراكز القيادة. وفي 16 أغسطس/آب 2024 كشف الحزب جانباً من هذا العالم عندما نشر تسجيلاً لمنشأة «عماد 4»، ظهرت فيها أنفاق تتحرك داخلها الشاحنات والدراجات، إلى جانب صواريخ وتجهيزات ومقاتلين. ولم يكشف الحزب موقع المنشأة، كما لم تتمكن وسائل الإعلام الدولية من تحديده بصورة مستقلة.
لاحقاً ارتبط اسم علي الطاهر في تقارير وتقديرات أمنية بمنشآت عسكرية وشبكات أنفاق ومراكز قيادة، مع روايات عن صواريخ ومسيّرات وعناصر نخبة وخبراء إيرانيين. لكن الدقة تقتضي الفصل بين المثبت وما بقي في نطاق المعلومات الاستخبارية: وجود بنية عسكرية واسعة تحت الأرض لدى حزب الله تدعمه أدلة كثيرة، أما تحديد محتويات علي الطاهر وأعداد الأسلحة والأفراد فيها فلا يزال خارج نطاق التحقق المستقل.
واكتسب الموقع بعداً إقليمياً في 3 سبتمبر/أيلول 2026، عندما نقلت رويترز عن مصادر أن إيران أبلغت الولايات المتحدة عبر سلطنة عُمان بأنها قد ترد عسكرياً بصورة واسعة إذا شنت إسرائيل هجوماً شاملاً على التلال، وسط تقارير عن وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني في المنطقة. وفي 4 سبتمبر/أيلول أعلنت إسرائيل أنها تمكنت من تطهير أنفاق تحت المرتفعات من مقاتلي حزب الله، وهي رواية لم يكن ممكناً التحقق مستقلاً من جميع تفاصيلها. لكن وصول المعركة إلى الأنفاق يعني أن الخطر لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بما قد تكشفه المنشآت من خرائط ووثائق وأجهزة اتصال ومسارات إمداد ومعلومات عن القيادة والسيطرة.
وعلى بعد أكثر من ألف كيلومتر تظهر جرف الصخر، أو جرف النصر رسمياً، كنسخة عراقية مختلفة جغرافياً وقريبة سياسياً من الإشكالية نفسها. استعادت القوات العراقية وفصائل مسلحة المنطقة من تنظيم «داعش» في أكتوبر/تشرين الأول 2014، لكن تحريرها لم يؤد إلى عودة طبيعية للحياة. وبعد نحو اثني عشر عاماً ما زال ملف عودة أعداد كبيرة من سكانها النازحين عالقاً، فيما تحولت المنطقة إلى واحدة من أكثر مناطق نفوذ الفصائل المسلحة المقربة من إيران غموضاً وتحصيناً.
ويرتبط اسم جرف الصخر أيضاً بروايات عن مراكز احتجاز ومفقودين. صحيح أن بعض الصور والتسجيلات التي نُشرت باعتبارها «سجون جرف الصخر» ثبت أنها مضللة، لكن أصل الملف لا يقوم على وسائل التواصل وحدها. ففي تحقيقات صحفية استقصائية بثتها شبكات تلفزة امريكية تحدثت عن معلومات بشأن مراكز احتجاز تديرها كتائب حزب الله في محيط المنطقة، كما أقر مسؤولون عراقيون بقضية السجون السرية للميليشيات عندما طُرح عليهم جرف الصخر ضمن هذا السياق. وهذه الشهادات لا تثبت ما يوجد هناك اليوم، لكنها تجعل فتح المنطقة أمام مؤسسات الدولة والقضاء والتحقيق المستقل استحقاقاً مؤجلاً لا ينبغي أن يستمر.
أما البعد العسكري فأكدته ضربات أميركية متكررة. ففي 23 يناير/كانون الثاني 2024 استهدفت الولايات المتحدة منشآت قالت إنها تستخدمها كتائب حزب الله وفصائل مرتبطة بإيران، وتشمل مواقع للصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة. وفي 30 يوليو/تموز 2024 وقعت ضربة أخرى ضد عناصر قالت واشنطن إنهم كانوا يستعدون لإطلاق مسيّرة، فيما أعلنت كتائب حزب الله مقتل أربعة من عناصرها. وبصرف النظر عن الموقف من شرعية الضربات، فقد أكدت أن جرف الصخر أصبحت جزءاً من الجغرافيا العسكرية للصراع الإقليمي.
لكن عام 2026 أدخل متغيراً عراقياً جديداً. فبعد توليه رئاسة الوزراء في 14 مايو/أيار، وضع علي الزيدي حصر السلاح بيد الدولة في صدارة مشروع حكومته، وحددت الحكومة 30 سبتمبر/أيلول 2026 موعداً لإنهاء ملف السلاح خارج الدولة، مع تلويح بعواقب قانونية على الرافضين. وهنا تصبح جرف الصخر اختباراً عملياً لجدية المشروع: هل تستطيع الدولة دخول أكثر مناطق النفوذ المسلح حساسية، ومعالجة ملفات النازحين والمفقودين والاحتجاز، وإخضاع ما فيها للقانون؟
هنا تلتقي النبطية ببابل. ليس لأن ما يوجد تحت علي الطاهر يجب أن يكون موجوداً في جرف الصخر، بل لأن الموقعين تمحورا داخل نموذج واحد للنفوذ يتمثل في دعم حلفاء محليين مسلحين وتسليحهم وتدريبهم، ثم تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي واجتماعي واقتصادي. ونجح هذا النموذج بدرجات مختلفة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، مستنداً إلى معادلة ردع تجعل كلفة الاقتراب من مناطق النفوذ أعلى من قدرة الخصوم على الاحتمال.
لكن الردع نتيجة لميزان القوة، وليس حقيقة أبدية. وعندما يتغير الميزان قد تتحول القلعة من مصدر قوة إلى عبء يحتاج إلى الدفاع عنه. ولا يمكن فصل ما يجري في علي الطاهر وجرف الصخر عن وضع إيران نفسها، التي تواجه في 2026 ضغوطاً عسكرية واقتصادية وعقوبات أميركية متصاعدة، فيما أصبحت تكلفة المحافظة على شبكة نفوذها الإقليمية أعلى. ولا يعني ذلك أن انهيار إيران حتمي أو وشيك؛ فهي ما تزال دولة كبيرة ذات مؤسسات عسكرية وترسانة وقدرات بشرية وجغرافية واسعة. لكن قدرتها على حماية جميع نقاط مشروعها الإقليمي في الوقت نفسه تواجه اختباراً صعباً.
لذلك لا تكمن المقارنة الأهم بين علي الطاهر وجرف الصخر في عدد الصواريخ أو الأنفاق، بل في مصير السلطة التي صنعت حولهما هالة الاستثناء. قبل سنوات كان الوصول إلى أعماق منظومة حزب الله في جنوب لبنان يبدو بالغ الصعوبة، كما كان تصور حكومة عراقية تضع مهلة حقيقية لنزع سلاح الفصائل أقرب إلى الأمنيات. اليوم وصلت المعركة إلى أنفاق علي الطاهر، فيما يقترب موعد 30 سبتمبر في العراق.
لا يعني ذلك أن النهاية حُسمت. قد تتغير خطوط الحرب في لبنان، وقد تتوصل الفصائل العراقية والحكومة إلى تسويات، وقد تبقى أجزاء كثيرة من أسرار الموقعين بعيدة عن العلن. لكن شيئاً واحداً تغير: زالت قداسة الاقتراب. فالمواقع التي كان السؤال عنها همساً أصبحت موضوعاً للحرب والسياسة، والقوة التي عاشت طويلاً على الاعتقاد بأنها عصية على الاختبار أصبحت أمام اختبار الدولة.
ومن النبطية إلى جرف الصخر، يبقى السؤال أكبر من مصير قلعتين: هل تستطيع الدولة في لبنان والعراق أن تستعيد أرضاً وسلاحاً وقراراً أصبحوا، بمرور الزمن، أكبر من سلطتها؟
الإجابة ربما هي التي ستحدد أين تنتهي حدود «ما فوق الدولة»… وأين تبدأ الدولة من جديد.