الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إمرأةٌ أضاعتني في الطريق

بواسطة azzaman

إمرأةٌ أضاعتني في الطريق

 

حامد الضبياني

 

أنا رجلٌ

ما زال يبحث عن امرأةٍ

لم يجدها بعد.

امرأةٍ

لا أعرف أين تسكن،

ولا من أي مدينةٍ

جاءت،

ولا أي طريقٍ

سيحملها إليّ.

كل ما أعرفه

أنني حين أغمض عيني

أشعر أنها قريبة.

وحين أفتحها

لا أجدها.

ربما كانت خلف نافذةٍ

لم أطرقها،

أو في قطارٍ

غادر قبل وصولي،

أو في مدينةٍ

مررت بها مسرعاً

دون أن أعرف

أنها كانت تنتظرني هناك.

أنا مسافر...

وهذه حقيبتي

تعبت من السفر،

لكن قلبي

لم يتعب من البحث.

أحمل في حقيبتي

قمصاناً قديمة،

كتباً،

رسائل لم أرسلها،

وصوراً لأماكن

لا تعنيني.

وفي آخر الحقيبة

أضع شيئاً واحداً

لا يراه أحد:

انتظار امرأة

لم أجدها.

امرأة

أريد أن أقول لها:

تعالي...

لقد تعبت من الطرق.

تعالي

لأضع رأسي

على كتفكِ

وأخبركِ

كم كان هذا العالم

بارداً

من دونكِ.

تعالي

لأشعر أن السفر

لم يكن عبثاً،

وأن كل تلك المدن

كانت تقودني إليكِ

دون أن أعرف.

لقد أحببتكِ

قبل أن أراكِ.

وهذا أكثر ما يؤلمني.

كيف يمكن لرجل

أن يحب امرأة

لم يلتقِ بها؟

لكنني أحببتكِ.

كنتِ تأتي إلى أحلامي

كل ليلة،

تجلسين بقربي،

تبتسمين،

وتتركين في يدي

دفءً غريباً.

ثم أستيقظ...

فلا أجد سوى

سريري،

والليل،

والجهة الفارغة

من قلبي.

كنت أبحث عنكِ

في الصباح.

في وجوه النساء

اللواتي يعبرن الشوارع.

في العيون

التي تشبه عيونكِ

ولا أعرف كيف تشبهكِ

وأنا لم أركِ.

في صوت امرأة

تضحك في مقهى.

في عطرٍ

مرّ بي سريعاً.

في يدٍ

كانت تحمل وردة.

في امرأة

كانت تنتظر القطار.

كنت أراقب الوجوه

واحداً واحداً.

وأقول:

ربما هي.

ثم يمر القطار...

وتختفي.

وأعود إلى حقيبتي.

إلى سفري.

إلى وحدتي.

إلى ذلك السؤال

الذي لم يجد جواباً:

أين أنتِ؟

هل أنتِ في مدينةٍ

لم أصل إليها؟

هل أنتِ في آخر الطريق؟

هل تنتظرين رجلاً

مثلي؟

أم أنكِ لا تعرفين

أن هناك رجلاً

يقضي عمره

في البحث عنكِ؟

أنا لا أريد منكِ

الكثير.

لا أريد قصراً.

ولا ذهباً.

ولا حياةً

تشبه حياة الأغنياء.

أريد فقط

أن أجد امرأة

تقول لي:

لقد تأخرتَ...

لكنني كنتُ أنتظرك.

يا الله...

كم أتمنى

أن أسمع هذه الجملة

ولو مرةً واحدة

قبل أن تنتهي الرحلة.

لقد عبرتُ كثيراً

من محطات العمر.

محطة الطفولة

غادرتها.

ومحطة الشباب

لم أجدكِ فيها.

ومحطة الأحلام

تعبت من الوقوف.

ومحطة الحب

ما زالت حقيبتي

عند بابها.

أما الآن...

فأنا أقف

في محطات العمر الأخيرة.

أقف ببطء.

أشعر أن الطريق

صار أقصر.

وأن الحقيبة

صارت أثقل.

وأن القلب

لم يعد يحتمل

كل هذا الانتظار.

ومع ذلك...

ما زلتُ أنتظر.

ربما تأتين

في آخر العمر.

ربما تأتين

والشيب يملأ رأسي.

ربما تأتين

وأنا متعبٌ

من السفر.

ربما تأتين

حين لا يبقى في العمر

إلا القليل.

وسأقول لكِ:

لا تعتذري.

لم تتأخري.

أنا كنتُ أبحث عنكِ

في المكان الخطأ.

كنتُ أفتش عنكِ

في المدن،

وأنتِ ربما كنتِ

في قلبي منذ البداية.

تعالي...

حتى لو لم يبقَ لنا

إلا مساءٌ واحد.

تعالي

لنمشي ببطء

في شارعٍ هادئ.

لا نحتاج إلى كلام.

يكفيني أن تمشي

إلى جواري.

أن ألمس يدكِ

وأعرف أنني

لم أكن أحلم.

يكفيني أن أضع

رأسي على كتفكِ

وأقول:

وجدتكِ أخيراً.

وجدتُ المرأة

التي أضعتها

قبل أن أعرفها.

وجدتُ البيت

الذي كنت أبحث عنه

في كل المدن.

وجدتُ الطريق

الذي لم أجد له اسماً.

وإذا سألتِني:

لماذا انتظرتني

كل هذا العمر؟

سأقول:

لأن القلب

حين يحب

لا يعرف كيف ينسى.

ولأنني كنتُ

مسافراً طوال حياتي.

كنتُ أبحث

عن مدينةٍ

أشعر فيها بالأمان.

ثم اكتشفت

أن المدينة

لم تكن مدينة.

كانت امرأة.

امرأة

لم أجدها بعد.

لكنني ما زلتُ

أؤمن أنها موجودة.

ما زلتُ

أترك لها مقعداً

في القطار.

ومكاناً

إلى جواري

في كل طريق.

وأترك لها

نافذةً مفتوحة

في قلبي.

وأقول كل ليلة:

ربما غداً...

ربما في المحطة القادمة...

ربما بعد منعطفٍ آخر...

ربما في آخر العمر...

ستأتي.

وسأكون هناك.

رجلٌ متعب

يحمل حقيبته.

ينتظر امرأةً

لم يجدها

طوال حياته.

لكنّه...

لم يتوقف

عن انتظارها.


مشاهدات 40
الكاتب حامد الضبياني
أضيف 2026/09/19 - 12:21 AM
آخر تحديث 2026/09/19 - 1:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 31360 الكلي 16563880
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير