دولة رئيس الوزراء المحترم...
أنقذوا المواطن قبل أن تثقل كاهله أعباء الحياة
رسالة مواطن عراقي إلى رئيس مجلس الوزراء
إبراهيم المحجوب
تحية وطنية صادقة تليق بمقامكم، وبعد...
منذ أن توليتم مسؤولية رئاسة مجلس الوزراء، استبشرنا خيرا، ورأينا في حضوركم وجها جديدا يمكن أن يحمل أملا للعراقيين، ولا سيما الفقراء وأصحاب الدخل المحدود. وكنا نأمل أن تكون خبرتكم الاقتصادية، كما تناولتها وسائل الإعلام، عاملا مساعدا في تحسين الواقع المعيشي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والوقوف إلى جانب المواطن الذي أنهكته الظروف، وأصبح يبحث عن لقمة العيش بقلق لا ينتهي.
لكن الأمل الذي حملناه في قلوبنا بدأ يصطدم بواقع معيشي صعب. فالغلاء الذي تشهده الأسواق، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والوقود، بات يشكل عبئا ثقيلا على العائلات العراقية، ولا سيما المتقاعدين والعمال وأصحاب الدخل المحدود. ولم تعد المشكلة مقتصرة على شراء الكماليات، بل أصبحت تتعلق بالحاجات الأساسية التي لا تستطيع الأسرة الاستغناء عنها.
دولة الرئيس،
قد يخرج بعض المسؤولين أو المتحدثين ليؤكدوا أن الاقتصاد العراقي بخير، وأن مؤشرات النمو والإيرادات النفطية تبشر بالاستقرار. ونحن لا ننكر أهمية المؤشرات الاقتصادية ولا نعارض الحديث عن تحسن موارد الدولة، لكن السؤال الذي يهم المواطن البسيط هو: ماذا بقي من هذا التحسن في حياة الأسرة العراقية؟
فالمواطن لا يقيس نجاح الاقتصاد بالأرقام وحدها، بل يقيسه بقدرته على شراء الطعام، وتوفير الدواء، ودفع أجور السكن، وتعليم أبنائه، وتأمين التدفئة في الشتاء. وإذا كانت الخزينة العامة تحقق إيرادات كبيرة، فإن من حق المواطن أن يرى أثر ذلك في الخدمات والأسعار وفرص العمل والعيش الكريم.
دولة الرئيس، اسمحوا لي أن أوضح أن هذه الرسالة ليست دعوة إلى الإساءة للدولة أو الانتقاص من مؤسساتها، وليست رغبة في التشهير بأحد. إنما هي صرخة مواطن عراقي يكتب من واقع ما يراه ويسمعه في الشارع، ومن معاناة عائلات كثيرة لا تجد من ينقل صوتها. نحن نؤمن بأن النقد المسؤول حق، وأن المطالبة بالإصلاح ليست عداء للوطن، بل هي صورة من صور الحرص عليه.
وما يعنينا اليوم ليس الجدل السياسي الدائر حول السلاح، ولا مواقف الدول الإقليمية والدولية، ولا تفاصيل الخلافات التي تتصدر نشرات الأخبار. فهذه الملفات لها أهميتها في حسابات الدولة، لكن المواطن الذي يقف أمام أبواب الأسواق والصيدليات ومحطات الوقود ينتظر من حكومته إجابات عن أسئلة أكثر إلحاحا، تتعلق بحياته اليومية ومستقبل أبنائه.
دولة الرئيس،
ماذا نقول للمواطن الذي يرى أسعار المواد الأساسية ترتفع يوما بعد آخر؟
كيف نطمئن رب الأسرة الذي أصبح يحسب حساب كل ألف دينار ينفقه؟ وكيف نخفف عن المتقاعد الذي لا يكاد راتبه يغطي احتياجاته الشهرية؟ إن ارتفاع أسعار الزيت والطحين والأرز وسائر المواد الغذائية، مهما اختلفت أسبابه، ينعكس مباشرة على مائدة العائلة العراقية. وعندما تتراجع قدرة المواطن على شراء ضرورياته، فإن ذلك يستدعي تدخلا حكوميا جادا، لا الاكتفاء بتبرير ارتفاع الأسعار أو تحميل المواطن مسؤولية ظروف السوق.
أما البطاقة التموينية، التي كانت تمثل سندا مهما للعائلات الفقيرة، فإن تأخر وصول بعض مفرداتها أو انقطاعها لفترات طويلة يزيد من الأعباء على المواطن. فالطحين، على وجه الخصوص، مادة أساسية في كل بيت، ولا يجوز أن تتحول مسألة توفيره إلى معاناة إضافية للعائلة التي لا تملك دخلا كافيا.
دولة الرئيس
ماذا نقول لشاب عراقي تخرج من الجامعة حاملا شهادة المهندس أو الطبيب أو المعلم، ثم وجد نفسه أمام أبواب مغلقة؟ إنني أتحدث عن أبنائي، وعن كثير من الشباب الذين أنفق آباؤهم سنوات من التعب والمال على تعليمهم، أملا في أن يجدوا عملا يحفظ كرامتهم ويمنحهم فرصة لبناء مستقبلهم.
ولدي ابناء يحملون شهادات الهندسة والتربية، شأنهم شأن كثير من خريجي الجامعات، لكنهم ما زالوا يبحثون عن فرصة عمل. وليس عيبا أن يعمل الشاب سائقا لسيارة أجرة أو في أي مهنة شريفة، فكل عمل حلال يستحق الاحترام، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا تتوفر فرص تتناسب مع اختصاصات هؤلاء الشباب؟ ولماذا يبقى التعليم العالي منفصلا عن حاجات سوق العمل؟
إن معالجة البطالة لا تكون بالوعود وحدها، بل بوضع خطط واضحة لتشغيل الخريجين، ودعم القطاع الخاص، وتشجيع المشاريع الصغيرة، وتوفير القروض الميسرة، وربط مخرجات الجامعات بحاجات الاقتصاد العراقي. فالشباب هم ثروة العراق الحقيقية، وإهمال طاقاتهم خسارة للوطن قبل أن يكون خسارة لعائلاتهم.
دولة الرئيس
نحن بلد النفط، فلماذا يبقى المواطن طويلا في طوابير الوقود؟
إن مشهد المواطن الذي يقف ساعات أمام محطات البنزين، أو ينتظر الحصول على حصته من الوقود، يثير أسئلة مشروعة عن إدارة الثروة النفطية وتوزيعها. فالعراق يمتلك موارد نفطية كبيرة، ومن حق المواطن أن يحصل على الوقود بيسر وعدالة، وأن يرى انعكاس هذه الثروة على حياته اليومية.
ولا يطلب المواطن المستحيل، بل يطلب إدارة رشيدة للموارد، ومراقبة حقيقية للأسواق، ومحاسبة المقصرين، ومنع الاحتكار والتهريب والتلاعب بالحصص. فكل لتر وقود يصل إلى المواطن بسعر عادل وفي الوقت المناسب هو جزء من واجب الدولة تجاه شعبها.
دولة الرئيس،
إن معاناة المواطن لا تتوقف عند الغذاء والوقود، بل تمتد إلى قطاع الصحة، الذي يمثل حقا أساسيا من حقوق الإنسان. وأنا، بصفتي مواطنا يعاني من مرض مزمن ومشكلات صحية في القلب، أعرف جيدا ما تعنيه كلفة العلاج المستمرة. فالأدوية التي يشتريها المريض شهريا من الصيدليات الأهلية أصبحت عبئا على ميزانيته، ولا سيما عندما ترتفع أسعارها أو يصعب الحصول عليها.
وهنا يحق لنا أن نسأل: أين هو دور وزارة الصحة في توفير الأدوية الأساسية، وتحسين المستشفيات الحكومية، ودعم المرضى الذين لا يستطيعون تحمل نفقات العلاج؟ إن وجود وزارة للصحة ينبغي أن ينعكس على صحة المواطن، لا أن يبقى المريض مضطرا إلى شراء علاجه من السوق الخاصة مهما كانت قدرته المالية.
ولا يقتصر الأمر على الصحة، بل يشمل التربية والتعليم العالي أيضا. فحين تضطر العائلات إلى اللجوء إلى المدارس الأهلية بسبب ضعف إمكانات المدارس الحكومية أو اكتظاظها، وحين تصبح نفقات الدراسة الجامعية عبئا يفوق قدرة الأسرة، فإننا نكون أمام قضية تحتاج إلى مراجعة شاملة.
إن التعليم ليس امتيازا للأغنياء، بل حق لجميع أبناء الشعب. ومن واجب الدولة أن تضمن مستوى تعليميا جيدا في المدارس والجامعات الحكومية، وأن توفر فرصا متكافئة للطلبة، وأن تراقب جودة التعليم الأهلي وأجوره، حتى لا يصبح الفقر سببا في حرمان الشاب من مستقبله.
دولة الرئيس
الموصل تنتظر الشتاء، والشتاء فيها ليس سهلا على الفقراء. نحن نسكن مدينة الموصل، ونعرف قسوة برد الشتاء فيها، ولا سيما على العائلات التي لا تمتلك دخلا كافيا لتأمين احتياجات التدفئة. ومع اقتراب فصل الشتاء، يبدأ القلق من جديد بشأن توفر النفط الأبيض
وارتفاع أسعاره، فضلا عن صعوبة الحصول عليه في بعض المناطق. فلماذا لا يبادر سيادتكم بمنح كل عائله 250 لتر من النفط الابيض مجاناً مساعده لهم في فصل الشتاء
إن المواطن الذي يتقاضى راتبا محدودا أو راتبا تقاعديا متواضعا، كيف يستطيع أن يواجه كلفة التدفئة إذا تجاوز سعر برميل النفط الأبيض قدرته الشرائية؟ وهل من العدل أن يختار المواطن بين شراء الغذاء وتأمين الدفء لأطفاله؟
نحن نطالب بخطة واضحة ومبكرة لتوفير النفط
الأبيض في محافظة نينوى وسائر المحافظات الباردة، وبأسعار مدعومة تصل إلى مستحقيها او مكرمة من دولتكم ، مع مراقبة التوزيع ومنع استغلال حاجة الناس. فالتدفئة في الشتاء ليست رفاهية، بل ضرورة إنسانية.
كما نأمل من حكومتكم الالتفات إلى المتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، والعمل على زيادة رواتبهم بما لا يقل عن مئة ألف دينار، تقديرا لما قدموه وخففا عن كاهلهم أعباء المعيشة وارتفاع الأسعار، فهذه الزيادة البسيطة للدولة قد تعني الكثير لعائلة فقيرة أو متقاعد ينتظر راتبه لتأمين حاجاته الأساسية..
دولة الرئيس
إن الحديث عن زيادة إيرادات الدولة وتعظيم موارد الخزينة أمر مهم، لكن جمع الأموال لا ينبغي أن يتحول إلى عبء إضافي على الفقراء. فالموازنة العامة يجب أن تقوم على العدالة، وأن تراعي الفوارق بين من يمتلك الملايين والمليارات، وبين من لا يجد ما يكفيه حتى نهاية الشهر.
نحن نرى في العراق ثروات كبيرة، ونسمع عن أموال ومشاريع واستثمارات، ونتابع أخبارا عن أرقام ضخمة تتحرك في الاقتصاد. لكن المواطن البسيط يتساءل: لماذا لا يشعر بهذه الثروات في مستواه المعيشي؟ ولماذا تبقى بعض العائلات عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، في حين تتسع الفجوة بين أصحاب الأموال وذوي الدخل المحدود؟
إن مكافحة الفساد، واسترداد الأموال العامة، وتقليل الهدر، ومراجعة الإنفاق غير الضروري، ينبغي أن تكون من أولويات الإصلاح المالي. فلا يجوز أن يتحمل المواطن الفقير وحده نتائج العجز أو سوء الإدارة، بينما تضيع أموال الدولة بسبب الفساد أو المحاباة أو ضعف الرقابة.
كما أن فرض الضرائب والرسوم يحتاج إلى دراسة دقيقة تراعي قدرة المواطن على الدفع. فكيف يمكن لعائلة محدودة الدخل أن تتحمل رسوما مرتفعة عند بيع دارها وشراء مسكن أصغر لتوفير نفقات المعيشة أو الانتقال إلى منزل يناسب إمكاناتها؟ إن مثل هذه الحالات تستحق معاملة عادلة واستثناءات مدروسة، ولا سيما عندما يكون التصرف العقاري ناتجا عن حاجة معيشية وليس عن نشاط تجاري أو مضاربة.
إن العدالة الضريبية لا تعني جمع الأموال من الجميع بالطريقة نفسها، بل تعني أن يدفع كل مواطن وفق قدرته، وأن تحمى الفئات الأضعف من الرسوم التي تمس الحد الأدنى من معيشتها. فالدولة القوية ليست التي تثقل كاهل مواطنيها، وإنما التي تحقق التوازن بين حاجات الخزينة وحقوق الناس.
دولة الرئيس
إن مسؤولية الحكومة لا تقاس بعدد الوزارات، بل بما تقدمه هذه الوزارات للمواطن.
لدينا وزارات ومؤسسات وهيئات كثيرة، لكن المواطن يريد أن يرى نتائج ملموسة في حياته. يريد مستشفى يحفظ كرامته، ومدرسة تعلم أبناءه، وجامعة تمنحهم فرصة حقيقية، ودواء متوفرا، ووقودا بسعر مناسب، وفرصة عمل للشباب، وخدمات تليق بما يمتلكه العراق من ثروات.
إن الإصلاح الإداري لا ينبغي أن يقتصر على تغيير المسؤولين أو إصدار القرارات، بل يجب أن يشمل تقييم أداء المؤسسات، ومحاسبة المقصرين، وتبسيط الإجراءات، ومحاربة الواسطة والمحسوبية، وضمان وصول الخدمة إلى مستحقيها دون تمييز.
دولة الرئيس،
نحن لا نطلب من حكومتكم أن تحل جميع المشكلات في يوم واحد، وندرك أن العراق يواجه تحديات اقتصادية وإدارية وأمنية متراكمة. لكننا نطلب رؤية واضحة، وخطوات عملية، وشفافية في عرض النتائج، واستجابة حقيقية لشكاوى المواطنين. فالمواطن يستطيع أن يتحمل الصعوبات إذا شعر بأن حكومته تستمع إليه وتعمل من أجله، لكنه يفقد الأمل عندما يرى أن معاناته تتكرر دون حلول.
إن الفقير لا يريد صدقة من الدولة، بل يريد حقه في العيش الكريم. والمتقاعد لا يريد منة، بل يريد راتبا يحفظ كرامته. والخريج لا يريد وعدا مؤجلا، بل يريد فرصة عادلة. والمريض لا يريد أن يطرق أبواب الصيدليات بحثا عن دوائه، بل يريد نظاما صحيا يسانده. ورب الأسرة لا يريد المستحيل، بل يريد أن يشتري حاجات بيته دون أن يعيش في خوف دائم من الغلاء.
إننا نكتب إليكم اليوم لأننا نؤمن بأن صوت المواطن يجب أن يصل إلى أعلى المسؤولين. ونأمل أن تفتح الحكومة أبوابها أمام الشكاوى والمقترحات، وأن تستمع إلى ممثلي الفئات الفقيرة والمتقاعدين والخريجين وأصحاب المهن الصغيرة، وأن تجعل تحسين المستوى المعيشي أولوية لا تقل أهمية عن بقية الملفات الوطنية.
كما نأمل أن تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة لتخفيف أعباء الغلاء، وضمان استقرار أسعار المواد الأساسية، ومراقبة الأسواق، وتوفير مفردات البطاقة التموينية، ودعم القطاع الصحي، وتأمين الوقود، ومراجعة الضرائب والرسوم التي تثقل كاهل محدودي الدخل، ووضع برامج عملية لتشغيل الشباب.
إن العراق ليس فقيرا بثرواته، وإنما تكمن المشكلة في كيفية إدارة هذه الثروات وتوزيع آثارها بصورة عادلة. وثروات البلاد ملك لجميع العراقيين، ومن حق كل مواطن أن يشعر بأنه شريك في وطنه، لا مجرد متلق للوعود أو متحمل للأعباء.
دولة رئيس مجلس الوزراء المحترم، إن منصبكم مسؤولية كبيرة، والأمانة التي تحملونها لا تقتصر على إدارة مؤسسات الدولة، بل تشمل حماية كرامة المواطن وصون حقوقه. فاحرصوا على أن يبقى الفقير عزيزا في وطنه، وألا تضطره الحاجة إلى الوقوف على أبواب الناس، أو أن يختار بين دوائه وطعام أطفاله.
ونحن نؤمن بأن الرحمة والعدل وحسن الإدارة هي أساس الحكم الرشيد، وأن خدمة المواطن هي الغاية التي ينبغي أن تتقدم على كل اعتبار. فاجعلوا الفقير حاضرا في قراراتكم، والمتقاعد حاضرا في موازنتكم، والشاب العاطل حاضرا في خططكم، والمريض حاضرا في برامجكم، والعائلة العراقية حاضرة في كل مشروع إصلاحي.
دولة الرئيس، أنقذوا المواطن من ضيق المعيشة قبل أن تضيق به السبل، واجعلوا من ثروات العراق وسيلة لبناء حياة كريمة لجميع أبنائه، لا سببا لاتساع الفوارق بينهم.
هذه رسالة مواطن عراقي مستقل، لا يطلب سوى الإنصاف، ولا يحمل في قلبه إلا الحرص على وطنه وشعبه. نسأل الله أن يوفقكم لما فيه خير العراق، وأن يجعل في قراراتكم فرجا للفقراء، وعدلا للمواطنين، وأمنا واستقرارا لبلادنا.