فم مفتوح .. فم مغلق
عدوى التحليل السياسي تنتقل إلى الإقتصاد
زيد الحلي
بعد أن صدّع رؤوسنا بعض من يُطلق عليهم «محللون سياسيون»، وهم يطلّون علينا من البرامج الحوارية بتحليلات تشرق وتغرب، ويفتون في كل شيء من دون دراية كافية، ويلوكون العبارات ذاتها في كل لقاء، دخل علينا نمط جديد من البرامج تحت مسمى (البرامج الاقتصادية)، وضيوفها لا يختلف بعضهم كثيراً عن زملائهم في التحليل السياسي، فنجدهم يتحدثون في كل شأن مالي واقتصادي، وهم أبعد ما يكونون عن التخصص والدقة.
والمتحدث بغير علم كمن يقود سيارة في ليل مظلم بلا مصابيح، يظن أنه يسير في الطريق الصحيح، فيما هو يقترب من الهاوية. ولعل ما بتنا نسمعه من تحليلات وتوقعات بشأن تذبذب أسعار الدولار، وأزمة الوقود، وانكماش السوق التجارية، يكشف أحياناً عن قصر نظر، أو استعجال في إطلاق الأحكام من دون حساب آثارها في الناس والأسواق.
لقد فات بعض المتحدثين في (علم الاقتصاد)، وهم ينظّرون من على شاشات الفضائيات، أن الاقتصاد ليس ساحة مفتوحة للتوقعات المجانية، وأن الكلمة فيه قد تتحول إلى رقم، والرقم إلى سعر، والسعر إلى عبء يتحمله المواطن. وكثرة الكلام بلا تدبر لا تعني وفرة المعرفة، بل قد تكون وسيلة لتغطية فراغها، ومن لا يمتلك المعلومة الدقيقة، فالصمت عنده أكثر حكمة من إطلاق توقعات لا يعرف مداها.. فكفى، رجاءً!
شخصياً، لم أصدق ما شاهدته مؤخراً في أحد البرامج وهو يناقش ارتفاع أسعار الدولار، حين طُرح رأي لا أستبعد أن يكون قد أسعد المضاربين بالعملة أكثر مما طمأن المواطن. فبدلا من أن يكون الحديث وسيلة للفهم والاطمئنان في ظرف اقتصادي حساس، قيل إن ارتفاع سعر صرف الدولار سيستمر، وكأن الأمر حقيقة محسومة لا توقعاً يحتمل الصواب والخطأ.
ومثل هذا الكلام، حين يصدر عبر شاشة فضائية، لا يبقى حبيس الاستوديو، بل ينتقل سريعاً إلى الأسواق والمجالس ومواقع التواصل، وقد يتحول إلى ذريعة يستند إليها بعض التجار لرفع أسعار بضائعهم، وتكون الضحية في النهاية جيب المواطن.
فالمتعاملون بأسعار الصرف يراقبون كل إشارة وتصريح وتوقع، ولديهم حساسية عالية تجاه الأخبار والتجاذبات الاقتصادية والسياسية، ويبنون عليها حساباتهم وقراراتهم، بما قد يفاقم اضطراب السوق، ومن هنا تصبح مسؤولية الكلمة الاقتصادية مضاعفة، لأنها لا تخاطب الأذن وحدها، بل قد تصل آثارها إلى السوق والمائدة ودخل الأسرة.
ولا يعني هذا أن نطالب البرامج الاقتصادية بإخفاء الحقائق أو تجميل الواقع، فهذه ليست وظيفة الإعلام، وإنما المطلوب أن تُعرض الحقائق كما هي، وأن يفرق بوضوح بين المعلومة والتوقع، وبين الرقم والرأي، وبين التحليل المهني والتخمين ، فالمواطن من حقه أن يعرف، لكن من حقه أيضاً ألا يدفع إلى القلق بتنبؤات تطرح وكأنها حقائق نهائية.
وآمل أن يتوخى المتحدثون في القضايا التي تمس أهم مفاصل الحياة الاقتصادية للمواطنين الدقة في اختيار كلماتهم، وأن تدقق القنوات الفضائية في اختيار ضيوفها، فلا يكفي أن يحمل البرنامج لافتة (اقتصادية) حتى يصبح كل ما يقال فيه اقتصاداً.
وأطالب، كإعلامي، بأن يبتعد من يتحدث في الشأن الاقتصادي عن بث القلق النفسي لدى المواطن من دون سند مهني أو معلومات موثوقة. فتذبذب أسعار الدولار ليس رقماً يظهر على شاشة فحسب، إنه عامل يؤثر في حركة الأسواق والأسعار والقوة الشرائية، ولا سيما لذوي الدخل المحدود.
إن البرامج الاقتصادية التي نحتاجها هي التي تشرح ولا تربك، تحلل ولا تتنبأ جزافاً، وتمنح المواطن معرفة لا خوفاً.
فالاقتصاد، أيها السادة، ليس حديث مقهى عابراً.. والكلمة حين تمس رغيف الناس، ينبغي أن توزن قبل أن تقال.
Z_alhilly@yahoo.com