بغداد حين تتحول الحكاية إلى نصب
نعمة حسن علوان
ثمة شيء غريب في الطريقة التي تتعامل بها بغداد مع ذاكرتها.
نحن مدينة ذات تاريخ يكاد يكون أثقل من أن تحمله الكتب؛ مدينة كانت مركزاً للعلم والترجمة والفلسفة والطب والفلك والأدب، وعاش فيها أو مرّ بها رجال صنعوا جزءاً مهماً من تاريخ العقل الإنساني. ومع ذلك، حين ننظر إلى فضائها العام، نجد أنفسنا أمام عدد من النُّصُب التي تستند إلى الحكاية والأسطورة والشخصيات المتخيلة أكثر مما تستند إلى التاريخ الموثق.
ليس في ذلك عيبٌ بحد ذاته. الفن لا يحتاج إلى شهادة ولادة للشخصية التي يستلهمها. الأسطورة مادة عظيمة للفن، و(ألف ليلة وليلة) واحدة من أغنى خزائن المخيلة الإنسانية. لكن المشكلة تبدأ حين تختلط الحدود بين ما هو تاريخ وما هو حكاية، وحين نعامل الشخصية المتخيلة وكأنها جزء من السجل التاريخي للمدينة.
خذوا مثلاً (كهرمانة).
كم مرة سمعنا أن بغداد أقامت نصباً لكهرمانة والأربعين حرامي، ثم قيل لنا إن بغداد تخلّد اللصوص في شوارعها؟
هذه قراءة سطحية للنصب.
فالنصب لا يخلّد اللصوص، بل يصوّر كهرمانة وهي تتغلب عليهم، ولذلك فإن القول إن بغداد أقامت نصباً (لتمجيد الحرامية) لا يستقيم فنياً ولا في دلالة العمل.
لكن السؤال الأهم يبقى قائماً: من هي كهرمانة أصلاً؟
إنها ليست شخصية تاريخية موثقة، وإنما شخصية تنتمي إلى الحكاية الشعبية والذاكرة الأدبية، وقد أعاد النحات محمد غني حكمت صياغتها في عمل فني صار واحداً من علامات بغداد.
وهنا لا ينبغي أن نعترض على العمل لأنه خيالي؛ بل علينا أن نسأل: لماذا اخترنا هذه الحكاية لتكون جزءاً من صورة المدينة؟
الأمر نفسه ينطبق على شهرزاد وشهريار.
إنهما شخصيتان حكائيتان، لا تاريخيتان. وشهريار في الحكاية رجل يمارس عنفاً مروعاً ضد النساء، بينما تحاول شهرزاد أن توقف هذا العنف بالحكاية والذكاء والمعرفة. ويمكن أن نقرأ شهرزاد باعتبارها انتصاراً للمرأة وللكلمة، لكن يمكن أيضاً أن نتساءل عن المفارقة: لماذا تكون المرأة مطالبة دائماً بأن تنقذ نفسها بالحيلة من نظام صنعه الرجل؟
إن تحويل هذه الحكايات إلى فن جميل لا يلغي حقنا في مساءلتها.
فالتراث ليس صندوقاً مغلقاً نأخذه كما هو، ولا يعني احترام التراث أن نمنحه حصانة من النقد.
المشكلة إذن ليست في أن يكون لدينا نصب مستوحى من كهرمانة أو شهرزاد، وإنما في أن تصبح المخيلة بديلاً عن التاريخ، والأسطورة بديلاً عن الذاكرة الحقيقية.
بغداد ليست بحاجة إلى أن تختلق لنفسها مجداً.
مجْدها موجود.
كان فيها الكندي، والخوارزمي، والجاحظ، وحنين بن إسحاق، وغيرهم من الأسماء التي لا تحتاج إلى أربعين حرامياً ولا إلى قصر أسطوري كي تستحق نصباً في مدينة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
أين نصب العقل العراقي؟ أين نصب الكتاب؟ أين نصب الترجمة؟ أين نصب العلم؟ أين نصب الذين جعلوا بغداد مركزاً للمعرفة في العالم؟
لماذا نتذكر الحكاية بسهولة، بينما يصعب علينا أن نجعل من تاريخ المعرفة جزءاً من المشهد البغدادي؟
وربما لأن الأسطورة أسهل من التاريخ.
الأسطورة لا تحتاج إلى وثيقة، ولا إلى تحقيق، ولا إلى خلاف بين المؤرخين. يكفي أن تكون جميلة، وأن تتناقلها الألسن، وأن يجد الفنان فيها مشهداً قابلاً للنحت.
أما التاريخ الحقيقي فهو أكثر إزعاجاً؛ لأنه يضع أمامنا مسؤولية معرفية وأخلاقية. إنه يسألنا: ماذا فعل هؤلاء الناس؟ ماذا أضافوا؟ ماذا بقي منهم؟ ولماذا لا نزال عاجزين عن إنتاج ما أنتجوه؟
هناك نصب ( أبو جعفر المنصور) كمثال عن الجدل الذي يثيره بين آونة وأخرى
أما نصب الحرية لجواد سليم، فهو حالة مختلفة تماماً.
فهو ليس مجرد حكاية شعبية تحولت إلى تمثال، وإنما عمل فني شديد الارتباط بتاريخ العراق الحديث، وبفكرة الحرية والتحولات الاجتماعية والسياسية. ولذلك فإن اختزاله في خرافة (النحس) التي جلبها على بغداد والتي يجري تداولها من قبل البعض هو إهانة للفن وللعقل معاً.
النصب لا يجلب النحس.
الحجر لا يصنع التاريخ.
والتمثال لا يقرر مصير مدينة.
المدن تصنع مصائرها بما يفعله أبناؤها وحكامها ومثقفوها، لا بما تقف عليه الساحات من برونز وحجر.
ولذلك فإن الحديث عن إزالة نصب الحرية لأنه (نحس) ليس نقداً فنياً ولا تاريخياً، بل عودة إلى العقل الخرافي الذي يبحث عن سبب غيبي لمآسي صنعها الإنسان بنفسه.
يمكن أن نختلف مع جواد سليم، ويمكن أن نناقش عمله، ويمكن أن نختلف حتى مع فكرة النصب نفسها؛ لكن لا يمكن أن نبني موقفاً ثقافياً على الخرافة.
ما تحتاجه بغداد اليوم ليس إزالة نصب واستبداله بآخر، ولا مطاردة تمثال لأنه مستوحى من حكاية، وإنما تحتاج إلى إعادة قراءة فضائها الثقافي كله.
نحتاج إلى أن نسأل: ماذا نريد أن تقول بغداد عن نفسها؟
هل نريدها مدينة شهرزاد وكهرمانة فقط؟
أم نريدها أيضاً مدينة العقل والترجمة والكتاب والفلسفة والعلوم؟
لا بأس أن تبقى الحكايات في شوارعنا؛ فالمدينة التي تفقد خيالها تفقد جزءاً من روحها.
لكن ينبغي ألا نسمح للحكاية بأن تبتلع الحقيقة.
بغداد أكبر من حكاياتها، كما أن تاريخها أعمق من أساطيرها.
وإذا كان لا بد من أن ننحت ذاكرتنا في الحجر، فلنمنح الحجر شيئاً من الحقيقة أيضاً.
فليس المطلوب أن نهدم كهرمانة أو شهرزاد، وإنما أن نضيف إليهما بغداد التي صنعها العقل، لا بغداد التي صنعتها الحكاية وحدها.