بين الفلسفة والسفسفة
هل تغيّرت أهداف بطولة الخليج؟
حسين الذكر
قبل اكثر من عقد وصلتني دعوة لحضور احدى بطولات الخليج العربي لكرة القدم بعنوان كاتب متمكن يمكن ان يغطي ويعلق على ايام البطولة وجزيئياتها بشكل مختلف يعبر به مساحات الوصف التقليدي .. وبما اننا الصحفيين العرب – بالعموم – وليس الاطلاق امورنا ليست على ما يرام ومن نادر الدعوات ان تكون الجودة المعرفية والكتابة الاسلوبية المتفردة جوازا للمرور لدولة اخرى او لتغطية حدث رياضي ما دون ان تكون ابنا شرعيا منزه من مختلف الوجوه حدا الوثوق لمؤسسة اعلامية ما . مع ان المشهد تكرر اكثر من مرة لكنه ظل يدور بتلك الحتمية المغلقة للحظ العظيم او الرزق المؤقت غير الخاضع لضوابط النشر .
السياسة تسبق غيرها من الامور وتتقدم على بقية ملفاتها بما يمكنا لنفهم الاسباب الحقيقية ببعض المشاهد الخفيفة والناعمة سواء كانت فلما تاريخيا ضخما او مسلسلا طويلا او اغنية ولحن شهير او لكمات محمد علي او فنون مباريات ووقائع بطولات بمعزل عما كان النجم الاستقطابي (بيليه الاسمر او مسي الاشقر) .
من هنا بدات حكاية اخرى لا تتعلق بالرياضة بل بفلسفة التنظيم . وقد تيقنت لاحقا بان اي ملف مهما كان رياضيا او فنيا او اجتماعيا او ثقافيا وغيره لا يصب بمصلحة الدول لا قيمة له يعتد بها .. وهذه فلسفة رائعة متقدمة ينبغي ان نبني دولنا ومؤسساتنا بمنطقها الصارخ بالحق حد التجلي فلا يمكن هدر الاموال الضخمة التي يمكن من خلالها حل ازمات البلاد من اجل لعبة ( كووورة ) على سبيل المثال .. الا اذا كانت تلك ( الكووورة ) تصب بوجهها المخفي بمصلحة الدولة وهنا فن سياسي آخر جدير بالاحترام .
في زيارة لاحدى الدول الشقيقة سابقا اتصل حينها احد الزملاء من مقدمي البرامج في تلك الدولة وهو ممن يتابع كتاباتي ومعجب بها وطلب حضوري ضيفا للاستوديو ليس تحليلا حيث تتحدث الاحصاءات والارقام بلغة جامدة يعرفها ويتحراها حتى بائع ( الباذنجان ) .. بل كان برنامجا مسائيا متابعا جدا كما عرفت من اتصالات الجمهور واسئلتهم المباشرة يدور بفلك البطولة لا عن الرياضة اي بمعنى جماليات اضافية للتحليل الرقمي التقليدي وهي مفردة مخففة عن ( الميت ) .. وقد تحدثت عن الفلسفة والاجتماع والبيئة والاقتصاد والسياحة محاولا قدر الامكان الابتعاد عن السياسة او في الاقل بالجانب الخفي منها .
قبل سنتين تقريبا نشر صديقي عمودا صحفيا لي حول كتابي الجديد ( ميكيافليلة كرة القدم) وقد عنوانه ( بالفيلسوف العراقي حسين الذكر ) وفرحت بالتسمية لانها نادرة سيما في الرياضة وربما تتحول الى جواز لحضور بطولات اخرى ليس بناء على صخب المفردة التي تعني حمل مصباح في النهار من اجل البحث عما لا يراه الاخرين بل لتغير شؤون التحليل الرياضي بما يخدم المجتمع ..
صديقي لم يرسلي دعوة ، فاستفسرت بشكل مباشر قائلا : ( هل ممكن ان يحضر للبطولة الكثير من معتادي ورواد السفاسف دون ان يحضر فيلسوفك المدعى عليه بشر الفلسفة ) .. فضحك بالم ثم قال : (يا استاذ ان العالم تغير واهداف البطولات تغيرت معه والمؤسسون واصحاب القرار لم يبحثوا عن معان (قاموسية) بقدر ما يريدوا التقاطات يعلق عليها الاف المتابعين وان كانت سفاسفية او فضائحية بصورة اوضح مما تتصور ) .