التحول الرقمي هيبك
هل ينقذ التعليم الجامعي أم يخلق أزمة جديدة؟
احمد ال حميد
في إطار مشروع التحول الرقمي الذي تتبناه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، أُطلق نظام (HEPIQ) «هيبك» بوصفه منصة رقمية شاملة تهدف إلى تقديم خدمات متكاملة للطلبة وأعضاء الهيئات التدريسية والإداريين. ويمثل هذا المشروع خطوة لمواكبة التوجهات العالمية في أتمتة الأنظمة الأكاديمية وتطوير الإدارة الجامعية، إلا أن التطبيق الميداني، وفق ما أُثير من ملاحظات وشكاوى، يكشف عن فجوة بين الأهداف المعلنة للنظام وتجربة مستخدميه.
وهنا نطرح سؤالاً محورياً هل يسهم نظام «هيبك» فعلاً في معالجة الأزمات المزمنة التي يعاني منها التعليم الجامعي العراقي؟ أم أنه قد يضيف تحديات جديدة، من بينها تحميل الطلبة أعباء مالية إضافية، وإثقال أعضاء الهيئات التدريسية بمهام تقنية وإدارية، وتكريس ما يمكن وصفه بـ«الرقمنة السطحية» التي تنقل الإجراءات التقليدية إلى بيئة إلكترونية من دون إعادة هندستها بصورة جوهرية.
أولاً: موقف لجنة التعليم العالي في مجلس النواب من تطبيق وزارة التعليم العالي العراقية نظام HEPIQ:
لجنة نيابية
تتخذ لجنة التعليم العالي النيابية في مجلس النواب العراقي موقفاً رافضاً ومعارضاً لتطبيق وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لنظام ومنصة «HEPIQ» بالشكل الحالي. وجاء هذا الرفض مدفوعاً بعدة أسباب وانعكس في تحركات برلمانية واضحة:
إعفاء الطلبة وإرجاع المبالغ: طالبت لجنة التعليم النيابية بشكل رسمي بـ إعفاء الطلبة من أجور التطبيق البالغة 66 ألف دينار عراقي سنوياً، مع إلزام الوزارة بإرجاع المبالغ المستوفاة منهم للسنتين الدراسيتين السابقتين.
عدم وجود خدمات حقيقية: أكدت اللجنة أن الخدمات التي يُفترض أن يقدمها التطبيق هي بمثابة «حبر على ورق»، ولا توجد أي خدمات فعلية ملموسة يستفيد منها الطالب مقابل المبالغ المستقطعة.
مخالفة الدستور والقانون: بيّن نواب في المجلس أن إجبار الطلبة على دفع هذه الرسوم السنوية يخالف المادة (34) من الدستور العراقي التي تنص صراحة على أن التعليم حق تكفله الدولة وهو «مجاني» في مراحله كافة.
التحرك الرقابي: قام مجلس النواب بـ مخاطبة رئيس مجلس الوزراء للمطالبة بإلغاء هذا التطبيق، وسط انتقادات برلمانية شديدة لأسلوب إجبار الطلبة على التسجيل بالمنصة ومنع بعض الكليات لطلابها من الدوام أو استكمال إجراءاتهم دون دفع الرسوم.
ثانيا: الإشكاليات التنظيمية والقانونية
تثير المعلومات المتداولة بشأن طبيعة العقد المبرم بين الوزارة والجهة المطوّرة للنظام جملة من التساؤلات التي تستحق مزيداً من الشفافية والتوضيح الرسمي، سيما ما يتعلق بآليات اختيار الجهة المنفذة، وطبيعة التعاقد، ومدته، ونسب توزيع الإيرادات، ومدى توافق الإجراءات المتبعة مع التشريعات والتعليمات النافذة التي تنظم العقود الحكومية في العراق.
وفي حال صحة التقارير التي تشير إلى تخصيص نسبة كبيرة من العوائد للمستثمر ولمدة طويلة، فإن ذلك يستدعي إجراء تقييم اقتصادي وقانوني مستقل للمشروع لمعرفة مدى تناسب الكلفة مع الخدمة المقدمة، ومدى سلامة تحويل جزء من تكاليف تشغيل المنظومة الرقمية وتحميلها للطلبة.
فقد أثار فرض رسوم سنوية قدرها 66 ألف دينار على كل طالب لقاء استخدام المنصة استياءً لدى عدد من الطلبة، الذين يرون فيها عبئاً مالياً إضافياً، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية التي تواجهها بعض الأسر العراقية. كما يثير هذا الأمر نقاشاً قانونياً بشأن علاقته بمبدأ مجانية التعليم المنصوص عليه في المادة (34/ثانياً) من الدستور العراقي، التي تنص على أن «التعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله».
ومع ذلك، فإن تحديد ما إذا كانت هذه الرسوم تمثل، من الناحية القانونية، مخالفة مباشرة للنص الدستوري يتطلب تحليلاً قانونياً متخصصاً يميّز بين الرسوم المفروضة على الخدمة الرقمية وبين الرسوم التعليمية ذاتها، فضلاً عن الرجوع إلى الأساس القانوني الذي استند إليه فرض هذه المبالغ.
ثالثاً: التحديات التشغيلية للتدريسيين ورهان المحتوى المحلي
بعيداً عن الجدل المالي والقانوني، يبرز الجانب التقني والبشري بوصفه أحد أهم معايير نجاح أي مشروع للتحول الرقمي. فالمنصة الرقمية لا تحقق أهدافها بمجرد تحويل الإجراءات الورقية إلى شاشات إلكترونية، بل ينبغي أن تؤدي إلى اختصار الوقت وتقليل الجهد وتحسين دقة الإجراءات وتجربة المستخدم
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الملاحظات المتعلقة باستخدام النظام من جانب أعضاء الهيئات التدريسية منها:
تعقيد إدخال الدرجات
تشير شكاوى متداولة بين بعض المستخدمين إلى أن عملية إدخال الدرجات تحتاج إلى قدر أكبر من المرونة، ولا سيما في الكليات التي تضم أعداداً كبيرة من الطلبة. فإذا كان الأستاذ مضطراً إلى إدخال بيانات عشرات الطلبة أو المئات بصورة فردية، فإن العملية الرقمية قد تتحول من أداة لتوفير الوقت إلى عبء إداري إضافي خارج اختصاص التدريسي.
ومن هنا، تبرز أهمية توفير خصائص مثل الرفع الجماعي للبيانات (Bulk Upload) من ملفات Excel أو CSV، مع آليات للتحقق الآلي من صحة البيانات قبل اعتمادها. وهذه الخصائص أصبحت من المتطلبات الأساسية في كثير من أنظمة إدارة المعلومات الأكاديمية الحديثة.
الأداء في أوقات الذروة
تتزامن عمليات إدخال الدرجات وتحديث البيانات عادةً مع نهاية الفصول الدراسية، وهي فترة تشهد ضغطاً مرتفعاً على الأنظمة الإلكترونية. وإذا لم تكن البنية التحتية مصممة للتوسع وفق حجم الاستخدام، فقد تظهر مشكلات مثل بطء الاستجابة أو انقطاع الخدمة أو فقدان بعض البيانات غير المحفوظة.
ولذلك، فإن تقييم كفاءة النظام ينبغي ألا يقتصر على أدائه في الظروف الاعتيادية، بل يجب أن يشمل اختبارات الضغط، وآليات الحفظ التلقائي، والاستعادة، والنسخ الاحتياطي، واستمرارية الخدمة في فترات الاستخدام المكثف. يمثل التدريب المسبق أحد العناصر الجوهرية في إدارة التحول الرقمي.
فنجاح أي نظام جامعي لا يعتمد على جودة البرمجيات وحدها، بل على قدرة المستخدمين على التعامل معها بكفاءة.
وتشير بعض مراجعات المستخدمين إلى وجود صعوبات في تصحيح المعلومات الشخصية أو إتمام بعض الإجراءات. وإذا كانت هذه المشكلات واسعة الانتشار، فإنها تشير إلى ضرورة تعزيز قنوات الدعم الفني، وتوفير أدلة استخدام واضحة، ودورات تدريبية عملية، ونظام سريع لمعالجة الأخطاء والمشكلات.
رابعاً: موازنة مع بعض التجارب العربية والدولية
لإجراء موازنة موضوعية، من المفيد النظر إلى تجارب جامعات عربية ودولية قطعت أشواطاً متقدمة في التحول الرقمي، مع مراعاة اختلاف السياقات والإمكانات والموارد بين المؤسسات والدول.
ففي التجربة المصرية، عملت جامعة أسيوط على توسيع نطاق التعلم الإلكتروني ورقمنة المقررات والبيانات الطلابية، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية ومراكز البيانات. وتكشف هذه التجربة عن أهمية الجمع بين رقمنة الخدمات والاستثمار في البنية التقنية التي تستضيفها وتدعم استمراريتها.
وفي السياق العربي أيضاً، قدمت جامعة القصيم السعودية نموذجاً يقوم على توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في الحوكمة المؤسسية، بما يتجاوز مجرد تحويل الإجراءات الورقية إلى نماذج إلكترونية، ويتجه نحو ربط البيانات والإدارات ودعم عملية اتخاذ القرار.
أما في التجارب الغربية، فتقدم جامعة ليمريك الأيرلندية مثالاً على توظيف الأدوات الرقمية ضمن رؤية أوسع لتنمية المهارات الرقمية للطلبة ووضع أطر مؤسسية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويشير ذلك إلى أن التحول الرقمي في التعليم لا يتعلق بالبنية التقنية وحدها، بل يشمل أيضاً تطوير المهارات والسياسات وأساليب التدريس والتقييم.
وفي بريطانيا، تبنت جامعة مانشستر خططاً لتوسيع التعليم الرقمي والوصول إلى الطلبة عبر بيئات تعليمية أكثر مرونة، في إطار رؤية تتعامل مع التكنولوجيا بوصفها وسيلة لتقليل بعض الحواجز أمام الوصول إلى التعليم العالي، وليس غاية قائمة بذاتها.
وعلى الرغم من صعوبة المقارنة المباشرة بين هذه المؤسسات والجامعات العراقية بسبب اختلاف الموارد والبيئة التشريعية والاقتصادية، فإن هذه التجارب تقدم دروساً مهمة: فالتحول الرقمي الحقيقي يقوم على إعادة هندسة العمليات، وبناء بنية تحتية قابلة للتوسع، وتدريب المستخدمين، وتحسين تجربة الاستخدام، والاستفادة من البيانات في دعم القرار.
خامساً: الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع العملي
يقدم الخطاب الرسمي نظام «هيبك» بوصفه خطوة باتجاه توحيد آليات ضمان الجودة ومتابعة الأداء العلمي والأكاديمي والإداري، والارتقاء بالخدمات الجامعية بما ينسجم مع متطلبات التحول الرقمي.
غير أن نجاح هذه الأهداف لا يمكن قياسه بالخطاب الرسمي وحده، بل بمؤشرات أداء قابلة للقياس، من بينها استقرار النظام، وسرعة إنجاز المعاملات، ونسبة الأعطال، ورضا المستخدمين، والوقت الذي يوفره النظام مقارنة بالإجراءات السابقة، وجودة الدعم الفني، وأمن البيانات، وقابلية التكامل مع الأنظمة الجامعية الأخرى.
وفي المقابل، تعكس بعض مراجعات المستخدمين المنشورة في متاجر التطبيقات مشكلات تتعلق بالتسجيل، وتجربة الاستخدام، والقيمة العملية للخدمات المقدمة. ورغم أن هذه المراجعات لا تمثل دراسة ميدانية شاملة، فإن تكرار الشكاوى من نوع معين يستدعي من الجهة المشغلة إجراء استطلاعات مستقلة ومنهجية لقياس رضا الطلبة والتدريسيين والإداريين.
إن الفجوة الحقيقية، إذاً، لا يمكن إثباتها بمجرد موازنة التصريحات الرسمية بالتعليقات الفردية، وإنما ينبغي قياسها من خلال بيانات منشورة وشفافة عن أداء النظام وفاعليته وكلفته ومعدلات استخدامه ورضا المستفيدين عنه.
سادساً: من الرقمنة إلى التحول الرقمي
تكمن المشكلة الأساسية في ضرورة التمييز بين مفهومين كثيراً ما يجري الخلط بينهما: «الرقمنة» و«التحول الرقمي».
فالرقمنة قد تعني ببساطة نقل نموذج ورقي أو إجراء يدوي إلى صيغة إلكترونية، في حين يتطلب التحول الرقمي إعادة النظر في العملية نفسها: لماذا توجد هذه الخطوة؟ وهل يمكن أتمتتها؟ وهل يمكن اختصار عدد الإجراءات؟ وهل يمكن تبادل البيانات تلقائياً بين الأنظمة بدلاً من إعادة إدخالها؟ وهل يمكن الاستفادة من البيانات الناتجة في تحسين القرار الأكاديمي والإداري؟
ومن هذه الزاوية، فإن الحكم النهائي على «هيبك» يتطلب معرفة بنيته التقنية بصورة أكثر تفصيلاً. فإذا كان النظام يفتقر إلى واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، والتكامل مع الأنظمة الجامعية الأخرى، وأدوات تحليل البيانات، والأتمتة، وقابلية التوسع، فإنه سيكون أقرب إلى نظام للرقمنة الإدارية منه إلى منصة متكاملة للتحول الرقمي.
أما إذا كانت هذه الإمكانات موجودة أو مدرجة ضمن خطة تطوير واضحة، فينبغي إعلانها وشرح خارطة الطريق الخاصة بها للمؤسسات الجامعية والمستخدمين، بما يسمح بتقييم المشروع وفق معايير تقنية موضوعية.
سابعاً: التحول الرقمي مسار تدرّجي لا نقلة مفاجئة
عند تقييم نظام «هيبك»، من الضروري مراعاة أن التحول الرقمي في مؤسسات التعليم العالي ليس حدثاً لحظياً يمكن إنجازه بمجرد إطلاق منصة إلكترونية، بل هو مسار تطوري متعدد المراحل يتطلب التدرج في بناء الجاهزية المؤسسية، والتخطيط، والتطوير، والاختبار، ثم النشر والتقييم والتحسين المستمر.
وتشير الأدبيات والتجارب الدولية في إدارة التحول الرقمي إلى أهمية هذا النهج المرحلي. فعند ترقية أنظمتها الأساسية، اعتمدت جامعة ولاية آيوا الأمريكية استراتيجية تضمنت مراحل متتابعة شملت الجاهزية، والتخطيط، والبناء، والاختبار، والنشر، بهدف الحد من الاضطراب وضمان التوافق بين المتطلبات التقنية واحتياجات المؤسسة.
وتزداد أهمية هذا المبدأ في البيئات التي تواجه تحديات في البنية التحتية والموارد والقدرات المؤسسية إذ لا يكون التحديث التكنولوجي فيها مهمة تقنية بحتة، بل يصبح في جوهره تحدياً في إدارة التغيير المؤسسي. ومن ثم، يتطلب نجاحه مواءمة متوازنة بين العمليات الإدارية، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والموارد البشرية، وثقافة المؤسسة، وقدرتها على التكيف.
ومن هذا المنظور، سيكون من غير المنصف تقييم «هيبك» باعتباره منتجاً نهائياً مكتمل العناصر إذا كان المشروع لا يزال في مرحلة انتقالية من مراحل التطوير. كما أن تنظيم ورش العمل المتعلقة بآليات التسجيل ومعالجة المشكلات الفنية يمثل مؤشراً على وجود قدر من التدرج ومحاولة تهيئة المستخدمين للتعامل مع النظام.
غير أن الاعتراف بالطبيعة المرحلية للتحول الرقمي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للمشكلات التي تظهر أثناء التطبيق. فالمرحلية الناجحة لا تعني تطبيق النظام على نطاق واسع أولاً ثم معالجة المشكلات لاحقاً، وإنما تفترض اختبار الجاهزية التقنية والمؤسسية، وتجريب الخدمات على نطاق محدود، وقياس النتائج، ومعالجة أوجه القصور، ثم التوسع التدريجي استناداً إلى مؤشرات أداء واضحة.
وهنا تبرز الإشكالية الأساسية في تجربة «هيبك»: فإذا كان توحيد الإجراءات وفرض الرسوم والإلزام باستخدام النظام قد سبق اكتمال الجاهزية التقنية والمؤسسية واختبار تجربة المستخدم بصورة كافية، فإن المسار الذي يُفترض أن يكون تدرجياً قد يتحول عملياً إلى نقلة مفاجئة يتحمل المستخدمون كلفتها التشغيلية والمالية.
وبذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال ما إذا كان «هيبك» قد وصل منذ البداية إلى المستوى الذي وصلت إليه أنظمة جامعية دولية تطورت على مدى سنوات، وإنما ما إذا كانت آلية الانتقال نفسها قد صُممت وفق مبادئ سليمة للتحول الرقمي: هل سبقت الإلزامَ مرحلةٌ تجريبية كافية؟ هل قِيست جاهزية الجامعات والبنية التحتية؟ هل أُشرك الطلبة والأساتذة في تقييم تجربة الاستخدام؟ هل جرى قياس أثر النظام قبل التوسع؟ وهل توجد خارطة طريق معلنة تربط مراحل التطوير بمؤشرات أداء محددة؟
وعليه، فإن وصف المشروع بأنه «مرحلي» لا يعفيه من النقد في مرحلته الانتقالية، بل يفرض عليه معايير أكثر دقة في التخطيط والاختبار وإدارة التغيير وقياس الأثر قبل الانتقال من مرحلة إلى أخرى. فالتحول الرقمي الناجح لا يُقاس بسرعة الانتقال إلى النظام الجديد، وإنما بقدرة المؤسسة على تحقيق هذا الانتقال بأقل قدر من الاضطراب، وبأعلى قيمة ممكنة للمستخدم.
وفي الختام لا ينبغي تقييم نظام «هيبك» من خلال ثنائية النجاح أو الفشل فقط، فإطلاق منصة وطنية موحدة للتعليم العالي يمكن أن يشكل خطوة مهمة في مسار تحديث الإدارة الجامعية العراقية إذا اقترن ببنية تحتية قوية، وتصميم يركز على المستخدم، وحوكمة شفافة، وتدريب مستمر، وقدرة على التكامل مع الأنظمة الأخرى.
كما أن الطبيعة المرحلية لأي مشروع للتحول الرقمي تقتضي منح النظام مساحة للتطوير والتحسين، وعدم مقارنته بصورة مباشرة وغير مشروطة بمنظومات جامعية ناضجة تطورت خلال سنوات طويلة. غير أن هذه المرحلية ينبغي أن تكون مخططة وقابلة للقياس، وأن يسبق التوسع في التطبيق التأكد من الجاهزية التقنية والمؤسسية والبشرية.
ومن هذا المنطلق، فإن المشكلات والشكاوى المرتبطة بالكلفة وتجربة الاستخدام والأداء والدعم الفني لا ينبغي النظر إليها بوصفها دليلاً نهائياً على فشل المشروع، ولا بوصفها أيضاً مشكلات طبيعية يمكن تجاوزها لمجرد أن النظام ما يزال في مرحلة التطوير؛ بل ينبغي التعامل معها بوصفها مؤشرات تساعد في تقييم سلامة المسار الانتقالي نفسه ومدى نجاح إدارة التغيير.
ولتطوير التجربة، يمكن اقتراح مجموعة من الإجراءات، أبرزها:
نشر تفاصيل الإطار القانوني والمالي للمشروع، بما في ذلك طبيعة العقد ومدته وآلية توزيع الإيرادات والأساس القانوني للرسوم المفروضة على الطلبة، بما يعزز الشفافية ويتيح التقييم الموضوعي.
وضع خارطة طريق معلنة لمراحل تطوير النظام، تحدد لكل مرحلة أهدافها ومؤشرات نجاحها وآليات الانتقال إلى المرحلة التالية.
اعتماد التطبيق التجريبي المحدود للخدمات أو التحديثات الجوهرية قبل تعميمها، وإشراك عينات من الطلبة والأساتذة والإداريين في تقييمها.
مراجعة الرسوم المفروضة على الطلبة، ودراسة مدى انسجامها مع التشريعات النافذة ومبدأ إتاحة التعليم، مع البحث عن نماذج تمويل لا تجعل الوصول إلى الخدمات الرقمية الأساسية عبئاً إضافياً على الطالب.
إعادة تصميم تجربة الاستخدام وفق احتياجات الطلبة وأعضاء الهيئات التدريسية والإداريين، مع توفير أدوات للإدخال والرفع الجماعي للبيانات، والحفظ التلقائي، واستعادة العمل عند انقطاع الاتصال.
إجراء اختبارات دورية للأداء والأمن السيبراني والقدرة على تحمل الضغط، ونشر مؤشرات أساسية عن مستوى الخدمة.
إنشاء منظومة دعم فني واضحة وسريعة، مع تدريب عملي مستمر للمستخدمين قبل فرض أي إجراءات رقمية جديدة عليهم.
استثمار الكفاءات التقنية والأكاديمية العراقية داخل الجامعات وإشراكها في تطوير النظام وتقييمه، بما يقلل الاعتماد الكامل على الجهة الخارجية ويضمن تراكم الخبرة محلياً.
تطوير بنية تكاملية تسمح بربط النظام بالمنصات والأنظمة الجامعية الأخرى عبر واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، بما يمنع تكرار إدخال البيانات ويتيح بناء منظومة وطنية مترابطة.
الانتقال تدريجياً إلى توظيف تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في دعم القرار، بعد ضمان جودة البيانات وحوكمتها وأمنها وخصوصيتها.
إن تعثر نظام رقمي في توفير تجربة سلسة للأستاذ والطالب لا يعني فشل فكرة الرقمنة في ذاتها، وإنما قد يكشف عن قصور في التخطيط أو التصميم أو البنية التحتية أو إدارة التغيير. وفي المقابل، فإن حداثة النظام ومروره بمرحلة انتقالية لا تكفيان وحدهما لتبرير أوجه القصور؛ لأن جودة التحول الرقمي تُقاس أيضاً بكيفية إدارة هذه المرحلة الانتقالية ومدى قدرة المؤسسة على التعلم من الأخطاء قبل توسيع نطاق التطبيق.
فالاستثمار الحقيقي في التحول الرقمي للتعليم لا يُقاس بعدد التطبيقات والمنصات التي تُطلق، ولا بسرعة فرضها على المؤسسات والمستخدمين، بل بمقدار ما توفره من وقت وجهد، وما تضيفه من جودة وشفافية، ومدى قدرتها على جعل التعليم أكثر كفاءة وإتاحة وعدالة.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم هل يحتاج التعليم الجامعي العراقي إلى «هيبك»؟ وكيف يمكن أن يتطور «هيبك» من مشروع للرقمنة الإدارية إلى منظومة متكاملة للتحول الرقمي، وكيف ينبغي أن يُصمم ويُدار ويُموّل هذا الانتقال حتى يخدم الجامعة والطالب والأستاذ، بدلاً من أن يتحول إلى عبء جديد عليهم؟