الفساد والمساءلة بين الدنيا والآخرة
إبراهيم خليل الفهداوي
في ظل تسارع الأحداث، وما تشهده الساحة المحلية في العراق، وما تتناوله وسائل الإعلام من أخبارٍ ومشاهد عن القبض على الفاسدين من نوابٍ ومسؤولين حكوميين، وما ارتكبوه من سرقاتٍ واختلاساتٍ من المال العام، من أموالٍ وعملاتٍ محليةٍ وأجنبيةٍ ومصوغاتٍ ذهبية، لو استُثمرت هذه الأموال في توفير الخدمات الأساسية، ومنها الكهرباء، وإعمار المدن، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية في البلاد، لما بقي في العراق فقرٌ مدقعٌ ولا حرمانٌ لطبقاتٍ كبيرةٍ من الشعب العراقي، ولا سيما أبسط حقوقه التي يجب على الدولة أن تلتزم بتوفيرها للشعب.فكم من فاسدٍ بات اليوم يطارده الخوف، وأقلقته المحاسبة، وسلبت منه راحة النوم؛ لأن من اعتاد أن يمدّ يده إلى المال العام، أو يظلم الناس، أو يستغل منصبه، لا يمكن أن يهرب إلى الأبد من الحقيقة.أما من كانت يده نظيفة، وضميره مطمئنًا، فلا يخشى عدالةً ولا حسابًا.
وأما من لوّث يده بالفساد، وظلم العباد، وأكل حقوق الناس، فإن كل خطوةٍ نحو كشف الحقيقة تزيده قلقًا واضطرابًا.
ويبقى السؤال الذي لا مهرب منه:كيف سيكون موقفكم أمام الله تعالى، قبل موقفكم أمام القضاء والناس؟قال تعالى:وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ.
وقال سبحانه:إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا.وقال جلّ وعلا:وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ.
وقال رسول الله :«اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامة».
وقال :«أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
فالحقوق لا تضيع، وإن تأخر أخذها، والعدل قد يتأخر لكنه لا يموت، والظالم قد ينجو من أعين الناس، لكنه لن ينجو من عدالة الله تعالى.
وقد يُمهل الله الظالم، لكنه لا يهمله، وسيأتي يومٌ تُكشف فيه الحقائق، وتُردّ فيه المظالم، ويقف كل إنسانٍ أمام ما قدّمت يداه.
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.فاحذروا يومًا لا ينفع فيه منصب، ولا مال، ولا نفوذ، ولا حماية، ولا واسطة…
يوم الحساب أعظم وأشد، والوقوف بين يدي الله تعالى لا يشبه أي محاسبةٍ في الدنيا.